إسبوعية ومخصصةالزوايا وأقلام

بعد أن ظننته مستحيلًا!

صالح الريمي

يقول أحدهم:

مررتُ يومًا بظرفٍ طارئ، وأزمةٍ خانقة، حتى شعرت أن الأسباب المادية قد انقطعت، وأن الأبواب التي كنت أطرقها قد أُغلقت جميعًا، كنت في لحظة ضعفٍ وانكسار، لا أرى أمامي مخرجًا، ولا أملك إلا أن أرفع قلبي إلى السماء وأقول: يا رب.. أنت ملاذي، وأنت ملجئي، وأنت حسبي حين تخذلني الأسباب.

وفي تلك اللحظة، ألقى الله في قلبي قول نبيّه زكريا عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، فتوقفت طويلًا عند آخر الآية، ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، كررتها مرةً بعد مرة، وكأنها في تلك اللحظة لم تكن مجرد آيةٍ أتلوها، بل رسالةٌ تصل إلى قلبي: يا رب، لقد دعوتك من قبل، فما رددتني خائبًا.

عرفت أبوابك، فما وجدتها يومًا مغلقة، وسألتك في ساعات ضعفي، فكنت لي سندًا، وكم ظننت أن الأمر انتهى، فصنعت لي من حيث لا أدري فرجًا ومخرجًا، حينها تغيرت طريقة دعائي، لم أعد أنظر فقط إلى أزمتي التي بين يدي، بل بدأت أستحضر كل فرجٍ قديم، وكل كربةٍ كشفها الله، وكل بابٍ فتحه بعد أن ظننته مستحيلًا.

وأخذت أناجيه: يا رب، أتذكر يوم أنقذتني من كذا؟ يا رب، يوم ضاقت بي الدنيا ثم فرّجتها عليّ؟ يا رب، كم مرة أغلقت الدنيا أبوابها في وجهي، ثم فتحت لي بابًا لم يكن في حسابي؟

كنت أعدد نعم الله عليّ، وأستحضر سابق فضله، وأتذكر كرمه الذي سبق حاجتي، ورحمته التي سبقت دعائي، وتذكرت أن الإنسان إذا جاء إلى أخيه يومًا يطلب منه حاجة، ثم ذكّره بمعروفٍ قديم صنعه له، وقال له: ما نسيت فضلك عليّ، ولا أنسى جميلك ما حييت، فإن القلب يلين، والنفس تستحي، والفضل يستدعي فضلًا آخر.

فكيف بربٍّ كريم؟ كيف بربٍّ لم ينقطع فضله عنك منذ أول يومٍ جئت فيه إلى هذه الدنيا؟

كيف بربٍّ أعطاك قبل أن تسأله، وسترك قبل أن تعرف معنى الستر، وأنقذك في مواقف لم تكن تعلم أن النجاة منها كانت مستحيلة لولا رحمته؟

فالله يحب من عبده أن يعرف فضله، وأن يعترف بنعمه، وأن يعود إليه بقلبٍ ممتلئٍ بالامتنان، قبل أن يكون ممتلئًا بالطلب، ثم مضيت في خطوتي، والخوف في داخلي شديد، والأسباب قليلة، والأبواب في الظاهر ما تزال مغلقة، لكن قلبي هذه المرة لم يكن متعلقًا بالأبواب، كان متعلقًا برب الأبواب.

توكلت على الله وحده، وتقدمت، وأنا أردد في أعماقي: «ولم أكن بدعائك ربِّ شقيًّا»، ثم حدث ما لم أكن أتوقعه، وخلال ساعاتٍ معدودة، قضى الله حاجتي، ولم يكتفِ بأن يخرجني من أزمتي، بل جاء الفرج أجمل مما تمنيت، وأوسع مما خططت، وأحسن مما طلبت.

ومن عرف الله في ماضيه، اطمأن إلى الله في مستقبله، ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، آيةٌ واحدة، لكنها قد تعيد إلى قلبك كل الأبواب التي فتحها الله لك يومًا، لتتذكر أن من فرج عنك الأمس، لن يعجزه أن يفرّج عنك اليوم، ومع التوسل إلى الله بسابق كرمه، واليقين بسعة رحمته، تبدأ كلمة «مستحيل» بالاختفاء من قاموس القلب.

لذا علينا أن ندرك أن بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح التي نعرفها، وأن بعض الطرق لا تمهدها الأسباب، بل يمهّدها اليقين، وأن الله إذا أراد أمرًا، هيّأ له من الأسباب ما يعجز العقل عن تفسيره.

ترويقة:

تذكروا دائمًا؛ من أجمل أدبيات الدعاء أن تأتي إلى الله بقلبٍ يعرف فضله، ويستحضر سابق كرمه، ويقول له: يا رب… ما عرفت عنك إلا الجميل، وما عودتني إلا الفرج، وما وقفت يومًا على بابك إلا وعُدت بشيءٍ من رحمتك، فلا تجعل ضيق اليوم يُنسيك فرج الأمس، ولا تجعل تأخر الإجابة يُنسيك كم مرةٍ أجابك الله حين ظننت أن الأمر انتهى.

ومضة:

﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾،

ومعناها في تفسير السعدي: لم تكن يا رب تردّني خائبًا ولا محرومًا من الإجابة، بل لم تزل بي حفيا ولدعائي مُجيبا، ولم تزل ألطافك تتوالى علي، وإحسانك واصلًا إليّ.

بقلم/ صالح الريمي

“كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك”

مقالات ذات صلة

‫60 تعليقات

  1. كلمات لامست الروح وذكرتنا بأعظم أبواب الفرج وهو حسن الظن بالله.

    جزاك الله خيراً أستاذ صالح على هذا الطرح الإيماني العميق.

  2. النص جاء في وقته تماماً ليعيد لي الأمل والسكينة بعد أزمة طال انتظار حلها.

    شكراً لقلمك الذي يبث الأمل واليقين في قلوبنا.

  3. ما أجمل التوسل إلى الله بسابق كرمه وإحسانه، معانٍ إيمانية غاية في الروعة.

    كلام يكتب بماء الذهب ويحتاج كل منا لمراجعته يومياً.

  4. الشعور بالامتنان قبل الطلب من أعظم الأدبيات التي يغفل عنها الكثيرون عند الدعاء.

    مقالة رائعة وشافية للصدر، بارك الله في قلمك وفكرك.

  5. «ولم أكن بدعائك رب شقياً» آية تختصر كل معاني الأمان والراحة النفسية.

    تأملات عميقة تلامس شغاف القلوب وتدعو لليقين المطلق.

  6. أبكاني النص لأنه لامس موقفا مشابهاً مررت به وعشت الفرج بعد شدة كبيرة.

    الحمد لله الذي جعل لنا في كلامه وذكر عباده الصالحين سلوى.

  7. صياغة المفهوم الإيماني بهذا أسلوب الأدبي الجميل جعل الرسالة تدخل القلب مباشرة.

    شكراً لك أستاذ صالح على هذه الترويقة الإيمانية المميزة.

  8. درس بليغ في كيفية التودد لله والاستحياء منه عند رفع اليدين بالدعاء.

    مقالتك تجدد الإيمان وتمنحنا طاقة إيجابية لمواجهة صعاب الحياة.

  9. التوكل على رب الأبواب هو المفتاح الحقيقي الذي يفتح كل المستحيلات.

    كلمات دافئة وملهمة تعيد تنظيم أولويات الروح والقلب.

  10. استحضار الفرج القديم يورث الطمأنينة ويطرد الخوف من المستقبل.

    جزاك الله خيراً على هذا التذكير المبارك والكلمات الشافية.

  11. المقال يعيد تشكيل نظرتنا للابتلاء ويجعلنا ننظر للفرج القادم بيقين لا يتزعزع.

    أسلوب رائع وكلمات صادقة تخرج من القلب لتدخل القلب.

  12. من أجمل ما قرأت اليوم، يبعث على الراحة ويطفئ حيرة النفس وقلقها.

    سلمت يداك أستاذ صالح وبارك الله في علمك ونفع بك

  13. اليقين بأن من فرج الأمس سيفرج اليوم هو أعظم سلاح للمؤمن.

    طرح إيماني متميز بكلمات مشبعة بالصدق والجمال الفني.

  14. آية كريمة ونصوص مباركة جاءت كرسالة إلهية لكل قلب مجهد وخائف.

    شكراً للكاتب الرائع الذي يكتب دائماً بما يداوي جراح الروح.

  15. أدبيات الدعاء التي ذكرتها تُعلمنا كيف نتحدث مع الله بقلب العبد العارف بالجميل.

    كلام ينعش الروح ويزيد من إيماننا ولجوئنا الصادق لله.

  16. لفتة رائعة في أصل التوسل بأفعال الله السابقة وكرمه المتجدد معنا.

    مقالة تفيض بالروحانية والجمال، لا حرمك الله أجرها.

  17. هذه المقالة يجب أن تُقرأ كلما أغلقت الأبواب وضاق بنا الواقع.

    تذكير قيم يبعث في النفس الطمأنينة والثبات عند الشدائد.

  18. معاني تفسير السعدي للآية أضافت بُعداً عميقاً وجمالاً فوق جمال النص.

    بارك الله في كتاباتك المميزة التي تثري القلوب والعقول دائماً.

  19. حين ينقطع الرجاء من البشر وتبدأ التوسلات برب البشر تقع المعجزات.

    كلماتك مست شغاف القلب وجعلتني أعيد حساباتي مع الدعاء.

  20. ترويقة وتفسير ومناجاة، ثلاثية جعلت من هذا المقال تحفة أدبية وإيمانية.

    كل الشكر لك أستاذ صالح الريمي على هذا الفيض الروحي.

  21. المعنى الحقيقي لحسن الظن بالله يتجلى في هذه السطور المليئة بالصدق.

    نص يزيل هموم الصدر ويعيد بناء اليقين في أعماقنا.

  22. ما ألطف الله بعباده حين يذكرهم برحمته في أوقات ضعفهم وانكسارهم.

    جزاك الله خيراً على إيصال هذه المفاهيم بهذه العذوبة.

  23. التوكل واليقين يختصران المسافات الصعبة ويفتحان المغاليق المغلقة.

    مقال ينبض بالحياة والإيمان، أسعدك الله كما أسعدتنا.

  24. لمست في كل سطر صدق التجربة وعمق المشاعر الإيمانية الصافية.

    شكرًا بحجم السماء على هذا المقال المبهر والملهم حقاً.

  25. رسالة إلى كل يائس ومهموم أن يلجأ للمولى بسابق العطاء والفضل.

    أسلوبك الأدبي يضيف للكلمات بعداً يؤثر في النفس ويحرك الساكن.

  26. أعدت لي الأمل في وقت كنت أظن فيه أن أزمتي ليس لها مخرج.

    جزاك الله كل خير، جعل الله هذا الكلام في ميزان حسناتك.

  27. آية عظيمة نرددها كثيراً ولكنك جعلتنا نعيش معانيها بكل أحاسيسنا.

    بارك الله في هذا القلم المعطاء والقلب الممتلئ بالنور.

  28. ترويقة اليوم كانت كالماء البارد على الكبد العطشى في يوم حار.

    طرح أكثر من رائع يستحق التأمل والنشر في كل مكان.

  29. عندما يتحدث الكاتب بلسان حال العبد الانكساري تخرج الكلمات كالشعر.

    شكراً لك من الأعماق أستاذ صالح على هذا الإبداع.

  30. من اعتمد على الأسباب ضل ومن اعتمد على رب الأسباب وصل وفرج هماً.

    مقالة تنبض بالإيمان العميق واللمسات الإيمانية التي نحتاجها.

  31. تذكير نقي بأن الله يحب أن نعترف بفضله ونعمه قبل طلب المزيد.

    سلمت أناملك التي خطت هذا التقرير الإيماني السامي.

  32. قرأت المقال أكثر من مرة وفي كل مرة أجد فيه راحة نفسية جديدة.

    أسلوبك راقٍ وكلماتك تتسلل للقلب بسلاسة وهدوء.

  33. لا شيء يعلو فوق اليقين بالله وبسعة رحمته التي وسعت كل شيء.

    جزاك الله خيراً على هذا الكلام الذي يعيد ترتيب الأفكار.

  34. الأدب مع الله في الدعاء هو سر الاستجابة وسر الفرج السريع.

    من أجمل المقالات التي قرأتها في التوكل واليقين بالله.

  35. كلماتك أخرجتني من حالة ضيق شديدة إلى مساحة واسعة من الرضا.

    شكراً لأنك تشاركنا هذه التأملات الإيمانية العميقة والجميلة.

  36. مقال مليء بالنور والأمل، يبعث في النفس الاطمئنان والسلام الداخلي.

    بارك الله فيك وفي قلمك النافع ومقالاتك المضيئة دائماً.

  37. من عرف الله في الرخاء والشدة استجيبت دعواته وفتحت له الأبواب.

    كتابة أدبية إيمانية فاخرة تجسد أعمق معاني العبودية لله.

  38. كلام لامس شغاف قلبي وجعلني أستحضر كل النعم والفرج السابق.

    كل الشكر للكاتب صالح الريمي على هذه اللفتة الإيمانية.

  39. اليقين يغير قواعد المعادلة ويجعل المستحيل واقعاً ملموساً بفضل الله.

    مقالة ممتازة صيغت بعبارات بليغة ومشاعر صادقة جداً.

  40. لفتة جميلة أن نسأل الله بسابق فضله وجزيل عطائه الذي لم ينقطع.

    جعل الله هذا العمل في ميزان حسناتك ورفع قدرك.

  41. كلام كالبلسم على الجراح يذكرنا بأن الله أرحم بنا من أنفسنا.

    طرح إيماني موفق وكلمات معبرة للغاية تؤنس القلوب.

  42. ما أجمل أن نتذكر فضل الله في لحظات انكسارنا لنقوى به من جديد.

    شكراً لقلمك الذي يسعدنا دائماً بهذه المعاني القيمة.

  43. ولم أكن بدعائك رب شقيا» منهج حياة لكل من أرهقته الظروف.

    بارك الله فيك ونفع بك وبكتاباتك المليئة بالأمل واليقين.

  44. تذكير بليغ ومؤثر يستحق الاحتفاظ به وقراءته عند كل كربة.

    سلمت يمينك أستاذ صالح، دائماً متميز في اختيار المواضيع.

  45. الإيمان الحقيقي يظهر عندما تنقطع الأسباب الأرضية ويتصل القلب بالسماء.

    مقال يفيض بالمعاني السامية والدروس العميقة والنافعة.

  46. كلمات صِيغت بأسلوب سلس يجبرك على إكمال النص بتركيز وحب.

    جزيل الشكر لك على هذا العطاء الفكري والإيماني المستمر.

  47. المعنى في تفسير السعدي يفتح آفاقاً واسعة للتدبر ومناجاة الله.

    نص ثري بالأفكار التي تصحح مفاهيمنا حول كيفية الدعاء.

  48. أدبيات التوسل بسابق النعم من أعظم الطرق التي تفتح باب الإجابة.

    شكراً من القلب على هذا الموضوع الشيق والملهم حقاً.

  49. عندما تكون النية الصادقة واليقين حاضران، يأتيك الفرج من حيث لا تحتسب.

    مقال ينبض بالطمأنينة ويمنح الراحة لمن عاش أزمة طاحنة.

  50. أبدعت في تحويل التأمل القرآني إلى تجربة حية تلامس أ واقعنا.

    بارك الله في جهودك أستاذ صالح وجزاك خيراً كبيراً.

  51. من اعتاد على كرم الله لن ينتابه الشك أبداً في قضاء حوائجه.

    طرح راقٍ ورسالة نبيلة وصلت للقلب بسلاسة وعمق.

  52. القرب من الله والاعتراف بجميل صنعه هو أقصر الطرق للفرج.

    مقال رائعة جداً تعبر عن معانٍ سامية نحتاجها جميعاً.

  53. اليقين بالله ينسينا المرار ويجعلنا ننتظر الفرج بابتسامة وثقة.

    شكراً للكاتب المبدع صالح الريمي على هذا الفيض المتميز.

  54. ما أعظم أن يأتي الإنسان ربه بقلب ممتلئ بالامتنان قبل الشكوى.

    جزاك الله خيراً وجعل كل حرف خطته يدك في ميزان حسناتك.

  55. المقالة تسلط الضوء على مفهوم إيماني غائب عن الكثير منا أثناء الشدة.

    سلمت أناملك الذهبية التي تكتب كل ما هو نافع ومؤثر.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى