الفنون والإعلامفن و ثقافة

عايدة الكشو في ‘مناجاة’ مع الطبيعة صونا لجمالها وتصديا لأعدائها

“للحفاظ على الطبيعة يجب أن تلقن الناس أولا كيفية التمتع بطاقتها وجمالها ومتطلباتها… إن صفاء الروح مشروط حتما بصفاء الطبيعة…”، هكذا كان الصوت العالي وسط الركام المتراكم من الفضلات والمهملات حيث عاشت بلادنا وما تزال مشكلة بيئية عانت منها مدن شتى ومنها خاصة مدينة صفاقس التي صدحت فيها الفنانة التشكيلية موضوع هذا الكتيب الفني حيث الذهاب بالصورة والكلمات إلى جوهر الأزمة وفق دعوة عميقة للتحدي وعدم الخضوع لمد الإهمال وتدنيس الطبيعة وتلويث المحيط، إلى جانب الوعي بضرورة تثمين هذا الكم الهائل من الفضلات المنزلية والقادمة من المصانع وغيرها في تعدد مصادرها.. هذا التثمين المهم في رسكلتها والإفادة منها في توليد الطاقات وما إلى ذلك…

هذا الكتيب في سياق تجربة فنية جمالية ومن سنوات عملت عليها الفنانة موضوع الكتاب للتوعية والتحسيس بالموضوع البيئي من حيث دور الفن والفنان في محيطه المهدد، وقد كانت الكلمات والصور معبرة وهي تنبع من وجدان ووعي دفين وحرص على التنشئة للأطفال واليافعين والشبان وحتى الكبار على حب الطبيعة والحفاظ على جمالها، فهي تتكلم ويجب الإصغاء إليها على عبارة فيكتور هيقو “من المحزن أن نفكر في أن الطبيعة تتكلم والجنس البشري لا يصغي لما تقول…” قولة جميلة بها شاعرية عالية تفتتح هذا الكتيب الفني التحسيسي وهو بعنوان دلالي “مناجاة” أنجز بالتعاون مع اتحاد الفنانين التشكيليين ومن قبل عايدة الكشو صاحبة الفكرة التي تسكنها من سنوات وتواصل الاشتعال ضمنها في عدد من الفعاليات والأعمال الفنية الجمالية.. والدكتورة ألفة معلى التي ضم الكتيب نصوصها وصور جميلة للحبيب دلنسي وقام بالترجمة الدكتور هادي مهدي..

في الكتيب وضمن سياقات نصوصه ورد هذا الجزء لكلود برونات “عموما يعتقد الناس أن الانتحار أمر غير مقبول، غير أننا وكلما دمرنا محيطنا يوما بعد يوم فنحن بذلك نكون قد انخرطنا شيئا فشيئا في مسار انتحار جماعي…”.

وفي نصها بهذا الكتيب تشير الدكتورة ألفة معلى إلى أهمية ما تقوم به الفنانة عائدة الكشو خروف في رسالتها الفنية والبيئية والحضارية في هذا العمل بعنوان “مناجاة“…

في مناجاتها تؤمن عايدة الكشو بأن المصير يرسم باليد وأن الحياة حق يفتك لذلك تأبى أن تلتزم الصمت فتتخذ من الفن سبيلا للنقد ولسانا يفصح عما يوجد في السر من حزن ووجع ومن غضب وحب.

هكذا هي الفنانة عائدة الكشو في هذه التجربة ضمن كتيب “مناجاة” تتوسط ركام الفضلات في كل اعتداد ومحبة مستعينة بالموسيقى وبالرسم وأكثر من ذلك هي تزرع زيتونة كشاهدة على الأمل المنبثق من الحزن، بل إنها تحتسي قهوتها في أريحية وكأنها تقول للآخرين وللعالم لا تخشوا فضلاتكم فهي منكم فقط أقيموا معها وتجاهها علاقات استثمار وتثمين لكي تحافظ الحياة على طبيعتها السليمة لأجل حياة عالية الجودة… كل ذلك تفعله عائدة بالفن وعبر جمال الفن وفق إحساس عميق وصادق بالراهن والمعيش..

هكذا هي عائدة تخاطب الكائن ليبتكر لونه وصوته وشجنه الدفين وهو يمضي بين الآخرين حالما بخطاه وهي تنحت دربه.. كيف له ذلك في هذا الكون المحفوف بالجمال والبهاء المبثوث في الجهات.. في العناصر والأشياء.. وليس للكائن هنا غير القول بنشيده وهو يشير للآفاق بحثا عن القيمة وقولا بالجوهر.. جوهر التفاصيل التي تفضي إلى إيقاع الذات في حلها وترحالها ترتجي فكرة الأعماق ونظر الدواخل وكل ما به يتزين العالم حيث اللون والكلمات والمعاني وهي تنحت مجاريها في الصخر كحال الأنهار العظيمة..

“مناجاة” كتيب فيه الحلم والأمل والتوعية والصمود وفيه أيضا ألق وقلق وذهاب ملون بالبهجة العارمة وفق نظر للفن على أنه ضفة أخرى للسفر تجاه أرض عليها أطفال يلونون أناشيدهم بالحلم النادر والغناء الخافت… يرقصون ويرقصون مثل زنوج قدامى.. إنه الرقص على أرض ناعمة.. نعومة الموسيقى الطالعة من التواريخ والأزمنة..

والفن هنا وفي تجربة عايدة الكشو خروف سفر وعنوان لافت حيث الرسم مجال شغف ودأب وما به تنبت الأحلام في البساتين التي رآها البستاني في خياله وهي تأخذه إلى طفولة عابرة فيها العالم علبة تلوين ورسم وتلبس بالكنه.. كنه الإبداع والإمتاع والمؤانسة.. هي هكذا لعبة اللون والحلم منذ براءة أولى… وإلى الآن في هذه الحدائق اللونية ذات الأسوار العالية..

الفنانة التشكيلية عايدة الكشو خروف تنوعت لوحاتها الفنية وأعمالها وفق مسيرة سنوات عديدة أخرها أعمال فنية لمواجهة أعداء الطبيعة واقتلاع الأشجار والقضاء على الغابات، لها مشاركات ضمن معارض فردية وجماعية وإقامة معارض شخصية في تونس وخارجها..

في لوحاتها موسيقى ملونة تمتح من مفردات تشكيلية فيها الحركة وتسعى للتفاعل مع المتلقي ليقرأها وفق تأويل متعدد الألوان.. ثمة عبارة تشكيلية في لوحاتها بينة في جمال تلوينها وسحر قولها الجمالي وعذوبة فكرة النظر تجاهها..

لوحات وأعمال فنية متعددة الأحجام والمواضيع فقط يجمع بينها شغف الفنانة عايدة وحلمها الذي أخذها إلى التلوين حيث أطلقت هي العنان لنشيد ملون يسكنها منذ طفولة عابرة.

عايدة الكشو خروف فنانة تشكيلية تلقت تكوينا لتخرج سنة 1991 من معهد الموضة والديزاين وشهادة حصلت عليها بعد تكوين في اختصاص فن تشكيلي في ثلاث سنوات مع جمعية قنطرة الفنون وذلك بمعهد الفنون والحرف بصفاقس، وهي مسؤولة العلاقات الدولية باتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين ومنسقة نشاطه بصفاقس وعضو الصالون السنوي بصفاقس منذ خمس سنوات ورئيسة لجنة الثقافة بجمعية حماية الشفار وعضو جمعية صيانة مدينة صفاقس، إلى جانب ترأسها لعدد من الفعاليات الثقافية والجمعيات، ومنها ملكة جمال صفاقس وكوميسار معرض المجلس الوطني للفنون والثقافة بالكويت وكوميسار المعرض لجمعية “بصمات عربية” بالقاهرة ومعرض كاروسيل اللوفر ومشاركة في معرض الدورة 35 لصالون الفن المعاصر بنيويورك وفي المهرجان الدولي بسيول في كوريا الجنوبية ومعرض أوزاكا باليابان، فضلا عن مشاركات في ندوات ومهرجانات وفعاليات ثقافية وفنية عن البيئة والمرأة وغيرها من العناوين.. هذا إلى جانب جوائز وتكريمات بالكويت والقاهرة وباريس والشارقة، كما عرضت أعمالها في مناسبات عديدة وبمدن تونسية مختلفة، فضلا عن مشاركاتها في معارض وصالونات اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين الدورية.

ومن نشاطها الفني التشكيلي نذكر معرضها بعنوان “طاقة البحر” الذي يمنح المتلقي علاقة مخصوصة من خلال ثنائية البحر والإنسان وعوالم جمالية من وحي اللون الأزرق..

وفي المعرض الجماعي الدولي للفنانين التشكيليين “اوزاكا ارت ايكسبو” برواق الفنون “سيستاما غاليري” بأوزاكا اليابانية مع 70 فنانا من إيطاليا واليابان وفرنسا، برزت مشاركة الفنان عايدة من خلال لوحتين وفق تعبيراتها الجمالية التي عرفت بها بين الشأن الوطني والشأن الإبداعي الجمالي، كما تميزت مشاركتها بمعرض بمتحف اللوفر في باريس من خلال حصولها على الجائزة الثانية..

إن هذه المشاركات والمعارض التي انطلقت سنة 1995 بمعرض خاص مع الفنان علي بن سالم برواق فني بمدينة صفاقس تعتبرها الفنانة التشكيلية عايدة مجالا لمزيد التعريف بتجربتها، إلى جانب كونها تلمس من خلالها تقبل وذائقة جمهور الفنون والمعارض تجاه أعمالها الفنية وهو ما يسعدها ويجعلها تواصل هذه التجربة.

وخلال الظروف الصعبة للحياة الفنية التشكيلية والثقافية عموما كانت للفنانة التشكيلية أصيلة مدينة صفاقس عايدة الكشو خروف مشاركات عبر الوسائط السمعية البصرية والرقمية.. إنها بقعة النور في حياة الفنانة عايدة تتفاعل مع ما يحدث تجمل الأشياء وتقاوم بالفن كل فعل عدو للطبيعة وجمالها الإلهي الأخاذ حيث الإنسان مطالب بأن يحمي الأرض لتحضنه وتحميه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Link partner: gaspol168 sky77 koko303 zeus138 luxury111 bos88 bro138 batman138 luxury333 roma77 ligaciputra qqnusa qqmacan gas138 bola88 indobet slot5000 ligaplay88