الأدب والثقافةتقرير إخباريفن و ثقافة

“الرمز بين تأويل الرؤيا وقراءة الشعر” أمسية جديدة في صالون تأويل البلاغي.

أقيمت أمس الثلاثاء أمسية في صالون التأويل البلاغي تحت إشراف الدكتورة لطيفة سعود العصيمي بعنوان “تأويل الرؤيا وقراءة الشعر” مع الدكتور سعود الصاعدي.
بدأ الدكتور سعود بحمد الله والدعاء والترحيب بالحاضرين، وأشار إلى أن هذا الموضوع يحتاج إلى مشاركات وتبادل آراء.
ووضح الدكتور سعود التشابه بين آليات تأويل الرؤى والأحلام وتأويل الشعر؛ فلغة الشعر تصورية بما تشمله من مجاز، وكناية، واستعارة، وهذا يتشابه مع لغة الحُلم لكن بالطبع لغة الرؤى أسهل.
والنص الشعري يخفي دلالات وأسرارًا مثل الحلم تمامًا، فراوي الحلم قد لا يفصح عن تفاصيل الحلم كلها، ومن هنا نجد تشابهًا كبيرًا في الأدوات التي يستخدمها ناقد الشعر ومحلله وأدوات مفسر الحلم.
البلاغة الكلاسيكية وهي تحلل آلية الرمز وقفت على هذا التشابه، فنحن نحول الحلم إلى لغة، وكذلك مفسر الأحلام وهو يؤول الحلم لا بد أن يتعامل معه وهو لغة مكونة من صور بلاغية وكلمات، وبالطبع ناقد الشعر يتعامل مع نص لغوي بحت، محللًا للصور والتراكيب.

الفرق بين الحلم والرؤيا:
مثلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي جزء من 40 جزءًا من النبوة، وكما قال أبو عباس القرطبي”إنها أمثلة يضربها ملك للنائم منضبطة في الخيال”.
والحلم ليس صورًا منضبطة، فهو من النفس البشرية، أما الرؤيا فصورها منضبطة وخيالها محكم بقواعد لسبحانه وتعالى، لذلك فهي جزء من النبوة.
ومن الضروري معرفة هذا الفرق بين الرؤيا والحلم في التعامل معهما عند التفسير.

قال الله تعالى على لسان ملك مصر “إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات”، ولنا هنا عدة وقفات:
هذه الصورة بها تضاد في البناء، فالتصور المنطقي أن البقرات السمان هن التي يأكلن العجاف وليس العكس! والصور أتت في تسلسل وتتابع، فنجد أن منطق الصورة فيه غرابة وهذا التسلسل يعد مفتاحًا من مفاتيح التأويل.

وتلقي هذه الرؤيا ثلاثة مستويات:
1. قوله تعالى (يا أيها الملأ افتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون… قالوا أضغاث أحلام).
تلقوا الرؤيا بصورتها الظاهرة المعقدة التي لم تظهر لهم دلالتها، فصنفوها أنّها أحلام، فقالوا (أضغاث أحلام).
2. أما المتلقي الثاني وهو صاحب سيدنا يوسف عليه السلام نقل هذه الرؤيا ليوسف وهو في السجن فصاحب سيدنا يوسف نقل الصورة واضحة كما هي (يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات)
فهو نقل الرؤيا بلغتها الصحيحة كما هي ولم يزد حرفًا واحدًا، وهنا نستحضر قولًا للرازي (وهذا دليل على أن تأويل الرؤيا يقع على لغتها).

3.المتلقي الثالث وهو يوسف عليه السلام
أعاد بناء الصور التركيبية في الرؤيا وأوّل البقرات بأنها السنوات، وبالفعل سنوات الرغد والحصاد تأتي الأول، وتليها السنوات الفقيرة؛ وبالفعل أكلت ما حصده الشعب في هذه السنوات، ومن ثَم زالت الغرابة في تصور التفسير.

مفاتيح التأويل في هذا المثال:
1. تشبيه البقرة السمينة بالسنة، وهذا من قوة بلاغة واتساع أفق يوسف عليه السلام.
2. بناء النظم.
3.الإتيان بما يتعلق بالمشبه به كذكر السنبلات.
4.مراعاة السياق ومقام الحال والمحل، فمصر بلد زراعي بالمقام الأول لذلك ناسبها استخدام لفظة (البقر) المستخدم في أعمال الزراعة.
وهنا منهج يسمى عَلاقة السياق الخارجي بالتأويل.

مفاتيح التأويل البلاغي:
1.اللغة الاشتقاقية أو الجناسية.
مثال: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف
(رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع، وأتينا برطب من رطب ابن طاب)
فأولت أن الرفعة لنا في الدنيا والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب.
2. الاستعارة، كما في تأويل البقرة بالسنة،
وأيضًا ما تطلقه العرب من أسماء العنكبوت: على الرجل الحائك.
والكبش: للرجل الفارس الشجاع.
3.المجاز المرسل:
مثل كلمة عين تُطلق على الجاسوس.
4.الكناية:
مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة “إني رأيتك في سرقة من حرير”.
كناية عن الزواج، وبالفعل تزوجها.
5.الجناس.
6.التورية.

التعامل مع الأحلام وتفسيرها يستخدم أدوات البلاغيين نفسها في التعامل مع النص الأدبي، فاللغة في حقيقتها:
استعارات رمزية.
صور مكثفة.
ونلاحظ أن الرمزية في الأدب العربي القديم لا تعني المباشرة والوضوح كالرمزية الغربية؛ بل تعني كل ألوان المجاز الموروثة
وهنا نستحضر قول الدكتور محمد أبو الفتوح في كتاب الرمز والرمزية الشعر المعاصر
“أن الشاعر يجسد جميع المعاني التي تندرج تحتها الصورة، ثمّ يفسرها كلها، وهو ما يحدث عند تفسير الحلم”.

الرمز الثقافي في قراءة الشعر وتفسير الحلم.
يقول ابن قتيبة “تأويل الرؤيا قد يتغير في حال اختلاف الناس وصناعاتهم، وأديانهم وأقدارهم”
ومن هنا نرجع إلى الموروث الرمزي ونوظفه في محتوى عربي مناسب، بدلا عن استخدام الرموز الإغريقية وغيرها.
ورموز الشعر تأتي من اللا شعور وليست من الوعي ومحاولة استقطاب الرموز وذلك يتشابه مع الحلم تمامًا.
فمثلًا: يستحيل أن مسلمًا عربيًّا يرى في حلمه كنيسة!
فالحلم يكون تلقائيًّا من اللا شعور، ومن ثَم تكون النصوص الشعرية من عمق الثقافة.

مستويات الشعر:
للشعر ثلاثة مستويات.
1. صورة.
2.رمز.
3.فكرة.
بداية نستبعد الآن مستوى الفكرة هنا، لأننا نعرض مثالًا به صورة.

الصورة تكون معبرة عن المعاني، فعندما يوغل الشاعر الجاهلي في المشبه به، لدرجة أنه يحوله إلى حكاية وتصبح رمزًا.
مثال:
الشاعر عمر أبي عمرو يرثو أخاه صخر عندما لدغته حية ومات، يقول:
لعمر أبي عمروٍ لقد ساقه المنا… إلى جدث يوزي له بالأهاضب.

لحيةٍ قفر في وجار مقيمة… تنمى بها سوق المنا والجوالب.

أخي لا أخا لي بعده سبقت به… منيته جمع الرُقى والطبائب.

فعيني لا يبقى على الدهر فادر… بتيهورة تحت الطحاف العصائب.
وهنا الفادر هو الرمز.

إلى أن قال:
فلما رآه قال لله من رأى… من العصم شاةً قبله في بالعواقب.

فمرت على ريد فأعنت بعضها… فخرت على الرجلين أخيب خائب.
الريد هي: أنثى العقاب.

أحاط به حتى رماه وقد دنا… بأسمر مفتوق من الليل صائب.
وهنا مقابلة لما حدث بعد الحماية (يصور حالة الفراق على أخيه).

إلى أن وصل إلى الخاتمة:
فذلك مما يحدث الدهر إنه… له كل مطلوب حثيث وطالب.
خاتمة البيت هنا هي لحظة إفاقة الشاعر.

فتفسير حالة صخر يشبه تأويل الرؤى.

ومن ذلك أيضًا مجيء الجبل في رمز الحلم كما قال ابن طباطبة عن شعر ابن خفاجة الأندلسي وهو يقول:
بعيشك هل تدري أهوج الجنائب… تخب برحلي أم ظهور النجائب.
ويقول:
وأرعن طماح الذؤابة باذخ… يطاول أعنان السماء بغارب.

وفي الختام يقول:
وقلت وقد نكبت عنه لطية… سلام فإنا من مقيم وذاهب.
وهنا فيها الإفاقة.
فيقال إن المقصود بالجبل هنا هو ابن خفاجة.

استنتاجات عامة:
1.الشعر القديم يتشابه مع الرؤيا؛ من حيث انضباط الصور الخيالية، ومنطقية الحدوث، أما الشعر الحديث يشبه الحلم بصورة كبيرة.
يقول عز الدين إسماعيل “لا بد أن تقرأ الشعر الحديث كأنه حلم”.
لذلك فالشعر القديم يتناغم أكثر مع المنهج البياني في القراءة؛ حيث نجد معظم البلاغيين يهتمون به.

2. هناك منهج تأويلي فحواه أن في تأويل الرؤى لا بد من مراعاة:
النص.
الترابط النظمي.
السياق الداخلي.
صاحب النص.

وقد حضر هذا اللقاء المميز العديد من الأساتذة الأفاضل وقاموا بمداخلات وإضافة آراء رائعة، ومن ذلك نذكر ما أضافه الدكتور عبد العزيز الطلحي أستاذ اللغة والنحو:
قال إن حديث (الرؤيا جزء من أربعين جزء من النبوة) قد يفهمه البعض خطأ بأن مع 40 رؤيا يكون معنا نبي مما يخل بالعقيدة!
لكن الدكتور سعود تناقش معه في ذلك وقال إنه من المبشرات مصداقًا لحديث (إذا انقطع الوحي تبقى المبشرات).

كما أضاف الدكتور عبد العزيز أن الرؤى عامة تكون باطنية فسبحان الله التعبير عن المعنى يشمل الكثير، وتطرق إلى قوله تعالى (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين).
وقوله تعالى في بداية سورة يوسف (لا تقصص رؤياك على إخوتك).
وهنا دليل أن الرؤيا قد تكون غير قابلة للتأويل لأنها باطنية.
وقامت الدكتورة سميرة الزهراني مقدمة اللقاء بشكر جميع الحاضرين، على وعد أنه ستقام أمثلة لهذه الأمسيات.

لمزيد من الأخبار والفعاليات اطلع على صحيفتنا هتون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى