التاريخ يتحدث

قصة صاحب الجنتين من سورة الكهف

يَضرب القرآن الكريم أمثالاً واقعية ذات تأثير بالغ، وفيها العبر العظيمة؛ والقصد من وراء إيرادها تثبيت قلب المؤمن، وتقوية صلته وعلاقته بالله، ونزع الكفر وخبثه من قلوب العباد، فقد ورد في القرآن الكريم قصة من القصص المفيدة قصة صاحب الجنتين، وهي إحدى القصص المذكورة في سورة الكهف.

تدور أحداث قصة صاحب الجنتين حول رجلين، جعل الله -سبحانه وتعالى- لأحدهما جنتين عظيمتين جميلتين من أعناب، والأعناب محاطة بالنخيل، وكان الزرع ينبت بين الأشجار، وقد فجر الله بينهما نهرًا، وأمرهما فأنتجتا كلّ ما فيهما، من ثمار يانعة ناضجة، في منظرٍ في غاية الحُسن والبهاء. قال تعالى: “وَاضرِب لَهُم مَثَلًا رَجُلَينِ جَعَلنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَينِ مِن أَعنابٍ وَحَفَفناهُما بِنَخلٍ وَجَعَلنا بَينَهُما زَرعًا ،كِلتَا الجَنَّتَينِ آتَت أُكُلَها وَلَم تَظلِم مِنهُ شَيئًا وَفَجَّرنا خِلالَهُما نَهَرًا”.

فأُعجب الكافر بما آتاه الله، وتكبّر على الآخرين، واعتزّ بنفسه وبما يملك، وظنّ أنّ المزرعتين أبديّتان لن تهلكا أبدًا.

وذات يوم اصطحب مالك البستانين أحد أصحابه المؤمنين ليريه ما لديه فقال له كما يخبرنا القرآن الكريم «وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا» أي أنا أكثر منك مالاً كما ترى في هاتين الجنتين، وأعز نفراً بما أملكه من خدم، وبينما كان الصاحبان يواصلان سيرهما داخل الجنتين قال الغني إلى رفيقه: «لا أظن أن تفنى هذه الجنة بل ستدوم أبداً، وما أظن أن تقوم الساعة، وعلى فرض أنها ستقوم فإنني سأعطى خيراً منها». وهذا ما جاء في القرآن عنقوله لصاحبه: «فَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا».

 

ولقد أجاب الرجل المؤمن صاحبه المفتون ببساتينه وثرواته حينما كان يحاوره، واعظا له، وزاجرا عما هو فيه من الكفر والاغترار، فقال: أكفرت بمن خلقك في أصل الخلقة من تراب، لأن خلق آدم أبي البشر من تراب خلق لذريته، وكذلك الغذاء من النبات، وغذاء النبات من الماء والتراب، ثم يتحول هذا الغذاء دما، يتحول بعضه إلى نطفة، تكون وسيلة للإنجاب، ثم خلق البشر السوي التام الأعضاء.

أتستصغرني إذ كنت أقل منك مالا وثروة، وأولادا وعشيرة، في هذه الدنيا الفانية، فإني أتوقع انقلاب الحال في الآخرة، وأرجو أن يعطيني الله خيرا من جنتك (بستانك) في الدار الآخرة، ويرسل على جنتك في الدنيا حسبانا من السماء، أي عذابا كالبرد الشديد والصقيع أو الطوفان أو الصاعقة المحرقة، فتصبح جنتك خالية من أي شجر أو نبات، وخاوية على عروشها، أو تصير صعيدا (أي وجه الأرض) زلقا: لا يثبت فيها قدم، يعني أن تذهب الأشجار والنباتات، وتبقى أرضا يابسة،

 

{ قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (39) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (40) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (43) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (44) }

 

وبعد مرور فترة من الوقت وقع ما حذر منه الصاحب المؤمن صاحبه الكافر الجاحد فأرسل على جنتيه العذاب وأصبحتا خاويتان على عروشهما فراح يندم على جحوده وكفره وما فعله في حق الله، وهذا ما يخبرنا به القرآن «وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا».

نعم ندمَ صاحبُ الجنتين على شركه بالله، وندم على كفرهِ بالنعمةِ، ولكنّ ندمهُ جاء بعد هلاك جنتيه وخسارته لما أنعم اللهُ عليه، وعلمَ وقتها أنه لا عظيمَ ولا ناصرَ إلا الله، ولا يستحقُّ العبادةَ إلا الله، وأنّ النعمة يجبُ أن تُقابلَ بشُكر الله عليها، وأدرك أنهُ أخطأ أكبر الخطأ حينما منعَ الصدقةَ، وحرم الفقراءَ والمساكين من حقهم في هذهِ النعمة.

حكمة ذكر القرآن قصة صاحب الجنتين:

يَضربُ القرآنُ الكريمُ أمثالاً واقعيةً ذاتُ تأثيرٍ بالغٍ، وفيها العِبَر العظيمةِ؛ والقصدُ مِن وراءِ إيرادِها تثبيتُ قلبِ المؤمنِ، وتقويةُ صِلَتِه وعلاقتِهِ باللهِ، ونزعِ الكُفرِ وخُبثهِ مِن قُلوبِ العبادِ، فقد وَرَدَ في القرآنِ الكريمِ قصَّةَ رجلٍ جمحَ عن دعوةِ الحقِّ، وآثرَ الضلالةَ والكُفرَ على الهُدى والإيمان، وكانَ لهُ جنتانِ، وهما بُستانانِ عظيمان، فافتُتِنَ بجمالِهِما، وأنكرَ البعثَ والآخرة، وضُرِبَ هذا المثل ليُبيِّنَ عاقبةَ مَن غرَّتهُ الحياةُ الدُنيا وآثرَها على الآخرة؛ فأعماهُ مالُهُ وسُلطانُهُ، ولم يستجب لِنُصحِ الناصحين، ولم يتَّعِظ بمن سبقهُ، ولم يأخذ العِبرةَ فأغواهُ الشيطانُ، فوقعَ في شرِّ الخطيئةِ والمعصيةِ.

اقرأ المزيد من صحيفة هتون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى