إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

مغامرة بلا موعد ولا صور

في منطقه نائية، وبلا موعد ولا سابق معرفة، سكنوا واستوطنوا فوق هذه الأرض وتحت تلك السماء. فمنذ أن تصحو الشمس من نومها، وتشع على الأرض نورها، وتغرد العصافير مغادرة أوكارها، يقوم المزارع “ناصر” -كعادته كل صباح- بنشاط، رغم ما خَطَّ الزمن على ظهره من علامات، واكتسى شعره البياض، متوشحًا فأسه ومنجله، ومتوكلًا على باريه يسوق خطاه إلى أرضه البور كل يوم. فهو مناضل دؤوب تحمَّل ويتحمل أقسى درجات الحرارة والجفاف، ويظل حتى المساء، يَكِدُّ ويَكِدُّ ويحرث ويعقم لمعالجة أرضه التي مع السنين تحولت لجنة سقاها بماء الحياه تعبًا وكدًّا وجهدًا، بلا كلل ولا ملل.

وها هي الأيام والسنون حَنَت ظهره وجعَّدت متاعبها وجهه.

بينما السيدة فاطمة ذات نيف وستين عامًا، بابتسامتها التي تخفي وراءها ضيم السنين، لم تكن حياتها مترفة كما كانت تتمنى في صباها، وخلال أحلامها كصبية يافعة طموحة، ها هي الآن أم لتوأمتين جميلتين، ظلت وما زالت تحنو عليهما وتعمل لأجل توفير حياة كريمة لهما منذ أن بدأت معاناتها؛ حينما تعرض زوجها لحادث مريع أقعده عن العمل، وظل عاجزًا على كرسيه ينتظرها لتعود للمنزل بعدما تقبع ساعات وساعات عند الشاطئ تنتظر حصتها من صيد اليوم لتبيعه بثمن بخس ودراهم معدودة، تقيتها وأسرتها قليلًا من الخبز والفول.

وفي الركن الخارجي من مقهى القرية، نجد كلًّا من (ماجد، وتركي، وعبد الرحمن) شباب في أوائل الثلاثينات، تتقارب أعمارهم واهتماماتهم، فهم أصدقاء مدرسة منذ الطفولة، ليس ذلك فحسب بل علاقتهم علاقة جيرة لحي واحد. بين فترة وأخرى يجتمعون على طاولة صغيرة مستديرة، عليها بعض أكواب الشاي وبعض فطائر الزعتر والجبن من فرن العم محمد، الذي يمد هذه البقعة الصغيرة من العالم بكل ما هو مخبوز في مكوناته ولذيذ في طعمه، ليست فقط طحين وزيت، بل صنع من عراقة هذا المكان.

يأتي فرنه والمقهى لصديقه أبو ياسر في أروع لوحة للتماذج البشري بكل أعراقه وأديانه ومعتقداته، حيث يجتمع هنا أناس لا يعرفون بعضهم اسمًا أو يجمعهم مذهب أو جنسية، ثم يكتسبون من التشارك بلذائذ الخبز ونكهة القهوة تعارفًا وصداقةً بلا حدود.

أما تلك الفتاة الصغيرة “روان” التي تقبع أمام حاسوبها لتتلقي أول دروسها (أون لاين) عبر تطبيق (مدرستي) تكاد تراها، إذا أمعنت النظر من شرفة غرفتها المطلة على هذا الشارع الذي يعج بالحياة والحركة دون انقطاع إلا مساءً، عندما يخلد الجميع إلى مضاجعهم استعدادًا ليوم جديد.

أما إيمان تلك الفتاة السمراء اليافعة، تمسك بجهازها لتختزل في ذاكرة كاميرتها أروع الصور والذكريات على وجوه عاصرت كل التحديات، على أرواح تمشي اليوم وغدًا ترحل. تتأمل تلك الوجوه التي خطَّ عليها الزمان خطوطه العميقة، وزادها انتشار الوباء والحصار والحجر المنزلي -خلال فترات من عام ونصف بين حظر وإزالة حظر- خطوطًا من اليأس والمعاناة والحزن الدفين بفقد أحبة لهم.

يوم يرحل وآخر يأتي.. يكاد الزمان ينفد سريعًا، والأرواح يحصدها الوباء، والموت يقترب أكثر ويحوم حول الجميع.

لكن هذه الليلة، ليلة بهجة وسعادة؛ فهي نهاية عام وبداية آخر، وقد خفَّ الحظر على كل مكان من المنطقة، وهنا الجميع لم يُكذِّبوا خبرًا، أن يكون هنالك فرصة للاحتفال وممارسة بعض الصخب في الساحة العامة.

وها هو العم محمد، وبعض النساء قد استعدوا وقاموا بإعداد كل ما لذَّ وطاب من المأكولات، فتمتد الطاولات المستطيلة على طول الساحة.

وفي أجواء بدت كأنها عيد، امتزج النغم مع الضحكات والتبريكات.

لا أحد ممن يراهم يعلم.. هل هذه الفرحة باجتيازهم سنة كان فيها وباء مميت مقيت يحوم حولهم ويهددهم بالفناء، أم أنهم يحتفلون ليأخذوا من الدنيا بهجتها قبل أن تقترب سنة أخرى تحمل حتوفهم؟.

لكن إيمان لم تتخلَّ عن هويتها، فلطالما كانت تبهرهم بمفاجآتها، فقد زينت ألبومها بما جادت به عليها عدسة كاميرتها، ذكريات خلال أعوام مضت قبل الوباء وعام بعد الوباء، فكانت الصور بكل ما فيها من أفراح وأحزان، وجوه بائسة وأخرى سعيدة، قد حملت الكثير من المواقف والتشابه، وأودعت فيها بعض اللقطات أضداد من المشاهد، جعلتهم حينًا يضحكون وحينًا تدمع عيونهم برؤية رفاقهم المفقودين عن هذا الاحتفال، ويتناقلون بين أيديهم الذكريات والصور، وأصواتهم بين حين وآخر تعلو بالتعجب والإعجاب للقطات التي التقطتها إيمان لهم.

وخلال التفافهم وبعد دقائق من احتفالهم أبت السماء إلا أن تحتفل معهم، ولكن بطريقتها، فبعد الهتان صب الغيث صبًّا، ودمدم الرعد، واشتدت الرياح، حاولت ثم حاولت “إيمان” أن تحمي ألبومها بعد أن تفرق الجمع وتساقطت الصور الواحدة تلو أختها، في محاولة يائسه لجمعها، ولكن عبثًا تفرقت الصور وتبللت، وبعض منها كانت تجثو على الأرض غارقة في الوحل، والكل ما بين الهرولة والركض؛ كان نصيبها التمزق لبعض أجزائها ومسح الكثير من الملامح فيها، واختلاط الالوان مع بعضها.

أخذت إيمان -وهي تنظر للصور على الأرض- قلمها وكتبت على غلاف ألبوم صورها (ذكرى مغامرة بلا موعد بلا صور)

بقلم/ نهى عبد الله الجابري

مقالات ذات صلة

‫29 تعليقات

  1. ابدعتى يااستاذه نهى استمري إلى الأمام طرح الموضوع مميز وراقي مثل صاحبته عجبني وبعد دقائق من احتفالهم ابت السماء الا ان تحتفل معهم ولكن بطريقتها قمه في الجمال

  2. بارك الله فيك على هذا الموضوع الجميل ونحن في انتظار الأروع والمميز مع تحياتي لك وبالتوفيق إن شاء الله.

  3. ماشاءالله تبارك الله مبدعه الواحد يقرأ ووده القصه ماتخلص الله يوفقك ي جميلتي الحبوة وموفقه يارب

  4. قصة جميلة ، ترمز لذكريات لدى الكاتبة تمازجت أحداثها وتماهت ألوانها ،
    ويبقى ضجيحها في نفسها ..

    القصة جميلة خصوصا أن بها لقطات لما بعد ( كورونا )
    هذا الأزمة التي حلت وانتهت ، لكنها مازالت آثارها باقية !
    لكن البُشرى التي تربت على القلوب أن : كل شيء لا محالة زائل .

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى