إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

الإسقاطات النفسية في رواية: “فلامينكو اعترافات هاربة” للروائي محمد المزيني (ج ١)

مقدمة:

مرت الرواية السعودية بالعديد من المحطات فيما يتعلق باختراق التابوهات المرتبطة بالمجتمع السعودي، وتناولت قضايا الناس المهمشين، حيث قدم الروائيون السعوديون العديد من الأعمال الروائية المهمة خلال العشرين سنة الماضية والتي كانت منذ شقة الحرية لغازي القصيبي التي كان يمنع بيعها داخل السعودية، إلى بنات الرياض لرجاء الصانع والتي مثلت محطة مهمة في تاريخ التحول في تناول قضايا المجتمع والمساس بالمسكوت عنه بشكل بارز، حيث مثلت تلك الرواية علامة فارقة في حينها في الحديث عن كثير من الجوانب الاجتماعية المخفية والتي لم تكن الروايات التي سبقتها قادرة على تناولها بهذه الجرأة.

لمحة:

استهلت الرواية السعودية مسيرتها بصدور رواية (التوأمان) لعبد القدوس الأنصاري في عام 1930م، وقد واكب رواية (التوأمان) عدد من الروايات ذات النزعة الإصلاحية، حيث تلتها رواية (فكرة، الصادرة عام 1948م) لأحمد السباعي، واختلفت هذه الرواية عن سابقتها بانفتاحها على التغيير في البناء الاجتماعي؛ فبطلتها فكرة تطمح للتغيير وتجاوز الواقع، وتعد هذه الرواية الأولى من حيث تناول هموم الفتاة وتطلعاتها المستقبلية في وقت لم يكن ينظر لها بعين الاعتبار ككائن مستقل يطمح إلى أبعد من الواقع.

بدأ استخدام التابو منذ نشأة الكتابة الإبداعية، وهناك من يستخدمه استخدامًا غير فني؛ بغرض الشهرة وفي المقابل هناك روائيون وظّفوه بصفته إشكالية فنية بالدرجة الأولى، وحينئذ فإن التجاوزات لا تدين العمل الروائي بقدر ما تدين الشخصيات التي تقبل بهذه التجاوزات، وهنا يمكن القول إنه (لا حياء في الإبداع)، ما يؤكد أهمية توظيف التابوه بهدف البناء لا الهدم.

فيما اعتبر البعض أن الجرأة الزائدة في الطرح قد تسقط العمل الروائي، وقد يصل به الحد أن يكون عملاً مبتذلاً، وهو المسمى الذي يجعل من روايات كثيرة عالمية تحقق انتشارًا واسعًا، كونها من هذا الصنف، لكن ظل السؤال هل رواجها المرتبط بهذا الجانب يقلل من شأنها كعمل فني إبداعية، فهناك فرق بين التجاوزات الأخلاقية والدينية التي تؤدي إلى ابتذال الرواية، كما يرى البعض، وبين التجاوزات التي تؤدي إلى السمو الفني والأخلاقي والديني، و بالنتيجة الرواية لا ينبغي أن ينظر لها كقيمة أخلاقية بشكل تقليدي، ونقص هنا القيم الأخلاقية السائدة في مجتمعاتنا المرتبطة بعلاقة الرجل بالمرأة، وليست القيم الأخلاقية الإنسانية العامة.

في المقابل فإن الرواية السعودية لم تتوقف على هذه الجوانب لكنها تناولت قيم أخلاقية عظيمة بأسلوب غير مباشر أو من خلال الإسقاطات، مثل: الزور والنفاق، والفساد الإداري، وتسلط أصحاب النفوذ على الناس البسطاء، وغير ذلك.

حيث إن العمل الروائي هو بعيد كل البعد عن الذاتية في الطرح، بل هو انعكاس لوعي الكاتب لما يحصل في المجتمع، والتحولات التي تحدث حوله، على الحس الإنساني والاجتماعي، وحتى السياسي والاقتصادي.

وفيما يتعلق بالضجة التي تحيط بالأعمال الروائية لمخالفتها ذهنية المجتمع يعتبر شيئًا طبيعيًّا ومثارًا في العديد من المجتمعات، بالذات العربية، وهو لا ينفي بالطبع وجود روايات أساءت استخدام هذه الخصائص، وأساءت استغلال المساحة من الحرية التي تعطيها الرقابة للكاتب، حيث نجد أن كثيرين ممن يرغبون في تحقيق الشهرة السريعة يعمدون إلى كتابة روايات تتناول أزمة العلاقة بين الرجل والمرأة في شق محدد، دون أن يكون لدى الكاتب القدرة على التوغل في الأبعاد النفسية والاجتماعية المحيطة بتلك الأزمة أو العلاقة الشائكة، حيث إن هذه القضايا هي بلا شك قضايا جوهرية ومهمة، لكنها تحتاج من كاتبها أن يكون قادرًا على استنطاق الشخصيات، وعلى دراسة حالة الشخصيات التي يقدمها من كافة أبعادها، ليقدم لنا عملًا روائيًّا متفردًا.
إن الخبرة في الكتابة والشغف بها هو ما يمكن الكاتب من تحقيق ما ذكرنا.. فرواية ليلى الجهني (الجاهلية) التي تتمركز حول قضية اجتماعية متزامنة مع ثلة من القضايا المساهمة وبشكل فعال في إحداث ثورة درامية ملحوظة ونقلة نوعية داخل مجتمع مدني في صورة مشكوك في مصداقية تبنيه للقضايا والتزامه بها وذلك لاعتبارات عدة تقف على أولها مسائل العرف والعادات والتقاليد السادة.

وكذلك رواية (رجاء عالم) التي يبدو من خلال كلّ ما قدّمته أنّها تعيش جدلية الوجود على المستوى الإنساني والميتافيزيقي، حيث تطغى القضايا الماورائية على أعمالها التي تطرح دائمًا موضوعات حياتية متعدّدة ومتنوعة، فهي لم تنجذب إلى الأدب الواقعي بل ارتأت العكس، بمعنى أنّها تمرّدت على الواقع الذي أبت الانغماس فيه خوفًا من الاصطدام بموانعه الكثيرة، ولا شك أن الكاتبتان حصدتا إعجاب ودهشة القراء والمهتمين بموهبتهما وجرأتهما على اختراق المسكوت عنه والعمل على إثبات قدرة المرأة السعودية على الخلق والإبداع.

وتعنى نماذج أدب الروايات السعودي بإسقاطات نفسية مرتبطة بالزمان والمكان ومأخوذة من بيئة الكاتب بنفس جرئ غير مقيد تمامًا كما فعل الكاتب غازي القصيبي في رواية شقة الحرية عام 1999 التي واجهت المجتمع السعودي والعربي بجدلية كبيرة، حول التيارات الفكرية والسياسية في الفترة الواقعة بين 1948 و1967، حيث تتناول الرواية قضايا التغيير الاجتماعي الذي حدث في السعودية وظل في منأى عن التناول الأدبي.

فيما نجد كاتبة أخرى مثل “زينب حفني” قد اعتبرت نفسها أول من كسر تابو الجسد في الرواية السعودية، حيث تقول:
أنا فخورة بأنني أول من اخترق هذا “التابو” وفتح الباب على مصراعيه كي يتعرّف المجتمع الغارق في ذكوريته على معاناة المرأة، ويقف عند مشاكلها التي تتعرّض لها يوميًّا، باسم “الدين والعرف” في حين نجد أن كتاباتها تظل دائمًا محلّ جدل كبير، وهذا قد يدخلها في دوامة القلق من اختراق تلك العوالم المحرمة والمحظورة خاصة وأنها ابنة المجتمع السعودي، لكنها تؤكد أنها قد اختارت هذا الطريق لإيمانها بأن الجوّ المنفتح الذي تربت فيه ونشأت، جعل آرائها جريئة.

تلك مرحلة، دار فيها صراع كبير حول ما قدم من أعمال روائية جريئة، وكانت روايات “حفني” ذاتها ضمن الروايات التي أشيرت إليها أصابع الاتهام من بعض النقاد بكسر تابوه “الجسد” خصوصًا في مجموعتها القصصية “نساء عند خط الاستواء”، في حين تؤكد حفني أن اختيارها لهذا التوجه، إنما جاء نتيجة إيمانها بأن الأدب رسالة ولا بد من إيصالها إلى القراء، فتقول: “لقد صدرت هذه المجموعة عام 1996، ولم يكن في ذلك الوقت إنترنت ولا فضائيات، وكان المجتمع السعودي ضيق الأفق مقارنة باليوم، وقد أصبحت شريحة الشباب لديها قدرة هائلة على التعامل مع الإنترنت، والدخول إلى عوالمه الخفية، لك أن تتخيّل كيف كانت صدمة المجتمع في ذلك الوقت عند الاطلاع على قصص تتحدّث بجرأة كبيرة عن حيوات النساء، ومشاكلهن العاطفية.

سؤال جدلي!

وقد طرح سؤال مهم يخص الإبداع ذاته، وهو: هل اختراق التابو في العمل الإبداعي يكون مقصودًا وموجهًا من قبل الكاتب ذاته؟، وهو السؤال الذي يعيدنا إلى طبيعة الكتابة الإبداعية التي تعتمد على الإلهام، فقد اعتبر الفنان العالمي “فانجوخ” أن الفن هو ما يتم تأديته من خلال العقل والقلب، أي أنه مزيج بين الإلهام وبين العمل الموجه من خلال العقل ذاته، فلو أننا اعتبرناه إلهامًا محضًا لظهرت لنا أعمال أدبية غير واعية، لأنها تنتج عن العقل الباطن، لكنها وإن كان جزءًة كبيرًا منها ينتج من خلال العقل الباطن، إلا أن العقل الواعي ينظمه، ويصيغه بصيغة أدبية إبداعية راقية، تمثل بعثًا جديدًا للفكرة أو الأفكار التي تقدم، ولعل خير مثال على ذلك هو ما يقوم به عدد من كتاب الكتاب من كتابة أحلامهم، فور استيقاظهم من النوم، يقومون بتسويدها، حتى لا يتم نسيانها، ومن ثم يقومون فيما بعد بتوظيفها في عمل إبداعي، رواية أو قصة أو خلاف ذلك، الذين يكتبون أحلامهم، هم كذلك، يصنعون عالمًا مرتبطًا بذواتهم، وربما اعتمدت كثير من السيرة الروائية على هذا النهج، لكن الأحلام في ظني ركيزة مهمة في صناعة عمل إبداعي خلاق.

تقول الروائية “ليلى الجهني” عن كتاباتها الجريئة، في إجابتها لصحيفة إيلاف ” أكتب دون أن يكون في ذهني استهداف لشيء أو تابو معين، أعترف أني جريئة في كتابتي، لكني لا أتعمد هذه الجرأة أبدًا، يحدثُ كثيرًا أن أنتبه لجرأة كتابتي بعد تلقي ردود الفعل تجاهها، وبالنسبة لـ: ” الفردوس اليباب”، فقد كُتِبت بعفوية ولم تكتب بجرأة، على الأقل وأنا أكتبها، لم يكن لديَّ هاجس الجرأة”.

وتوضح: “إن افتعال الجرأة يشبه تمامًا تلطيخ وجه طفلة بمكياج ثقيل، ما إن تنظر إليه حتى تشعر بنفور منه، وربما ترغب في مسحه، وللفردوس وجه طفلة، وربما سذاجتها، لكن جرأتها غير مفتعلة أبدًا. أتأملها الآن بعد كل هذه الأعوام، ثم أقلب في مسوداتها الأولى، وأتساءل مَنْ مِنَّا ستلتهم الأخرى؟ مَنْ مِنَّا ستتجاوز الأخرى إلى ما ينتظرها؟ لا بد أن تفعل إحدانا ذلك، وأتمنى أن أكون أنا من يفعله”.
إذن المسألة ليست افتعالًا، ولا صناعة كما يحدث في الدراما، وهذه حقيقة، أعتقد أن الروح مهمة في العمل، روح الكاتب التي هي الأخرى تمثل الثيمة التي يطبع بها الكاتب خطة أو هويته في الكتابة، ولذا نجد أن العارفين يؤمنون بمقدرتهم على تمييز كتابة عبده خال مثلاً عن يوسف المحيميد أو محمد المزيني وغيرهم.

هذه الثيمة التي تأتي على شقين: شق يمثل نكهة الكاتب نفسه، وآخر يمثل نكهة أو خط الرواية ذاتها، من بدايتها إلى نهايتها، مثلًا عندما تقرأ رواية “يعقوبيان” للأسواني، وتقرأ “شيكاغو” فإنك إذا كنت تمتلك حاسة القارئ الشغوف بالرواية فإنك سوف تجد خطوطًا تهديك أن العملان لكاتب واحد، ربما من خلال الأسلوب أو النفس الكتابي الذي أشرنا إليه.

ومن المهم أن ينشغل الكاتب بالكتابة، وأن تتحول إلى هم وقضية بالنسبة له، لهذا نجد أن من نصائح الروائي الكولومبي “غابرييل ماركيز”، غاية في الأهمية لكونها موجة للشباب من الكتابة، ومركزة ومعنية بالهم الكتابي، فهو يدعو الشباب إلى كتابة ما حصل لهم، يعني كتابة واقعية مرتبطة بالأحداث اليومية التي يعيشون. في ذات الوقت يجب أن تقدم كعمل فني وليس عملًا تسجيليًّا كما في الوثائقيات.
النصيحة الثانية: تدعو الكاتب أن يقتبس من طفولته، وهذا مهم جدًّا في الإسقاطات النفسية والاجتماعية التي يكون أثرها راسخًا في زمن الطفولة.

النصيحة الثالثة، تقول: أوجد السحر: في روايته “مئة عام من العزلة” استخدم ماركيز فيها الواقعية السحرية، تحتوي القصة على سجاجيد طائرة، والسيمياء -الكيمياء القديمة- حلويات تصيبكم بالأرق وتفقدكم الذاكرة، لقد تعلم ماركيز كتابة القصص من جدته، التي كانت تحدثه عن أشياء خارقة للطبيعة، أشياء أسطورية، لكنها كانت تروي القصص بطريقة جادة وطبيعية.

ونصائحه الكثيرة جلها مهمة، لكنني أختم بنصيحة مهمة يقول فيها: “اجعل يدك طرية بالكتابة”، وهو يدعو الكاتب من خلالها إلى أن يمارس الكتابة بشكل دائم، فيكون معه مسودة يكتب فيها معظم مشاهداته اليومية، الأشياء المدهشة، والغرابية التي تمر به، وهكذا يمكن له أن يستفيد منها ويوظفها في عمله القصصي.

——————————————

تمت المشاركة بها في ملتقى الباحة للرواية

——————————————

ورقة عمل للدكتور/ خالد الخضري
قاص وكاتب ومستشار إعلامي – دكتوراة في الإعلام النفسي

مقالات ذات صلة

‫59 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى