إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

ليلة عرس ثالثة

ألقت نظرة على نفسها في المرآة، لم ترَ الفتاة ذات القوام الممشوق والوجه الملائكي الذي زُفَّت به قبل عشر سنوات، ما زالت أنثى جميلة، وما زالت صغيرة جدًا أن تشيخ وحيدة، ولكنها الآن أم لطفلتين من زيجتين فاشلتين.

عدلت فستان زفافها والذي بدا كأي شيء في خزانتها، ورأت أعينهم تشاركها النظرات الفاحصة: أمها، أخواتها، أبناء العائلة وعجائزها. الكل ينظر ويتساءل، هل تنجح هذه المرَّة؟! 

بدأت الزغاريد الخجلى تتعالى شيئًا فشيئًا.. وكأنها تتساءل إن كان وجودها ضروريًّا، وسمعت صوته بجانبها يهمس بحنو “أعدك بأن تكوني سعيدة هذه المرة”. حدجته بنظرة متعجبة، هل قال هذه المرة؟! هل يعايرها بإخفاقها السابق؟! 

ألقت عليهما نظرة كانت تحاول أن تتفاداها منذ بدأت الليلة. هناك، على سريرها، ابنتاها كانتا جالستين تنظران إليها غير مصدقتين.. يداهما متشابكتان وسط الزحام وكأنهما تقطعان عهدًا أبديًّا ألا تفترقان. اليوم الكل مهتم بالأم التي قررت أن تجرب حظها للمرة الثالثة وتلحق بآخر قطار للحب. شعرت بألم في صدرها فشدت على يده. كانت موقنة أنها لا تستطيع تركهما لأي رجل في حياتها ولكنها تذكرت أنه أيضًا لديه أطفال من زيجة سابقة وتعجبت كيف لا يبدو عليه القلق تجاه مصيرهم. 

جلست بقلق في “كوشتها” الصغيرة معلنة بداية مسيرتها القادمة بعد أن كانت لسنوات مجرد أم تاهت عن أنوثتها. نظرت إلى والدتها في ركن صالة الاستقبال بثوبها الأسود الوقور والذي لازمها منذ توفي والدها، فحدادها كان أبديًّا مثل حزنها. حيَّرتها مشاعر أمها تجاه زواجها الثالث، كانت كلماتها قليلة ولكنها تعرف أنها تكانت تخفي الكثير، فماذا تقول امرأة رهنت نفسها لذكرى زوجها لابنة تتزوج للمرة الثالثة تاركة طفلتيها!

اتخذت وضعية أشبه بجندي يستعد للحرب، قدماها مشدودتان ومثبتتان في الأرض بتوتر، عيناها تجولان بحثًا عن الطفلتين التائهتين وسط الحضور والزغاريد المفتعلة، ويدها تتنصل من يد زوجها في ارتباك.

أجالت بصرها في جميع الأركان وتخللت الحضور بنظراتها الفاحصة ولم تر للطفلتين أثرًا. كانت تبحث منذ بدأت الليلة عن علامة أو إشارة تخبرها أنها أخطأت بالموافقة ولكن لا شيء يحدث.. لا الطفلتان تبكيان، لا الأم فجأة ترفض إمضاء هذه الزيجة ولا حتى فستان العرس يُخدش!. 

فجأةً سحبت يدها من يده بقوة وقامت تجري وسط الحضور الذاهل. 

“لا أستطيع.. لا أستطيع ترك ابنتي!” وراحت تنادي عليهما من خلال دموعها وقامت النساء خلفها في تخبط بينما ظل هو على كرسيه يتابعها في حيرة ووجوم. 

“أين البنتان؟! هل أخذهما والداهما؟!”

وفي لحظات تداخلت الأصوات والمناداة واختفت أصوات الزغاريد الخجلى وراح الكل يجري خلف العروس محمومًا. أشارت طفلة إلى حديقة البيت فخرجوا جريًا دون أن يسألوها ليجدوا أطفالًا كثر يجرون ويتضاحكون في انعكاس أضواء العرس وقد تلطخت ثيابهم وتناثرت أحذيتهم وانتكشت شعورهم في فوضى عارمة من السعادة اللا مبالية بما يدور في عالم الكبار.

تفحصتهم فاذا طفلتاها وأطفاله يلعبون مع الجمع في انسجام أنساهم عرس والديهم.

تنهدت في ارتياح عارم وعادت إلى “كوشتها” بثوب مخدوش وزينة ذائبة وجلست بجانبه تمسح دموعها وتبتسم له وقد قررت أن تصدقه وأن تكون سعيدة هذه المرة.

بقلم/ د. سمر علاقي

مقالات ذات صلة

‫53 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى