إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

غربة قلم

كلما حاولتُ الفرار من القلم يجبرني على التلاقي وقت المساء، فيشتبك بحبل أفكاري، فما حيلته إذا صهرتْه النيران فيصبح زجاجًا يُكْسَر. نزعتُهُ وشربتُ حبره لعل أفكاري ترتوي فتنحلُّ عقدتها، فالأفكار تنساب لصاحبها، فأحيانًا أكتب تساؤلاتي:

هل أنا على خطأ؟

لِمَ يريدونني عند ثورة الضجيج الداخلي أن أكتمها بداخلي؟

هل أستطيع أن أغيِّر واقعي؟

أَلَمْ أُخْلَقْ بعقل لأستخدمه، أم لأعيش على المأكل والمشرب والتكاثر؟

خَلَقَتْ لديَّ تلك التساؤلات عمقًا واسعًا للبحث عن ذاتي بين أَخْذٍ وعطاءٍ.

استطعتُ إعادة صياغة تفكيري وقناعاتي كما أريد وليس كما أُمْلِيَ عليَّ، وحين تنتهي تلك الدهشة المحرِّضة على التساؤل سأعود ظلًّا يبادل مشاعره على الرغم من الاكتفاء فهي تتنامى على الرغم من تضادّها، فاعتلاء خشبة المسرح تجعل حياتي مشاهدَ للمسرحية، أُصَفِّقُ لهم وهم يجتازون اختياراتهم كما أرادوها، فهي كرؤية ضبابية حين أقف كَدُمْيَةٍ بين ما أريد وما يريدونه، وأفكار مشوشة، فوضى عارمة ومشاعر تَتُوق للعزلة، تَقْطَعُ ذلك الحبل الخانق وتُحْرِق خيوطه، ضجيج الأهل والأصدقاء ومنغِّصات الحياة علينا أن ندعها حولنا لا داخلنا.

إن مشاركة الطموحات والأهداف على الرغم من اختلافها كـ”خلطة سرية” لعلاقة نقية تكمُن فيها الحياة، ها هنا سأخلع قناع المشاهدة وأرتدي عقلي المتمرد فلن يهمَّ إذا صَفَّقَ الآخرون أم لا؛ فلن أكون رهن اعتقادات تجعلني أَمُرُّ بمنحنًى ضيِّقٍ بل رُبَّمَا ضبابي، أين نجد الحقيقة من كل ذلك؟ وجهة نظري، آرائي في هذه الحياة.

قد لا تكون مُطْلَقَة تعنيني وحدي فأقع تحت تأثيرها، فتجبرني الحياة على امتلاك عدة مناظير لنتعايش بها، فحين أُحَلِّقُ في أحلامي الوردية أرتدي نظارتي الوردية، فيبهرني سطوع الواقع، أُهْرَعُ فألبس نظارتي الشمسية، ويجبرني عنادي والتَّشَبُّث بآرائي مرتدية نظارتي المُعْتِمَة. ماذا لو أفرغتُ كل تلك الأفكار وحشوتُها تحت وسادتي وألقيتُ عليها تعويذة الاختفاء، عندها تتجعد أوراقي فأخلع نظارتي متأمِّلةً سقف غرفتي بهذيان.

أغلقتُ دفتري وتركتُ قلمي على جنب.. اتَّكَأْتُ على نافذتي فليس من طبعي الخذلان.

حين أردتُ التعرف أكثر إلى فكر ما فإني أبذل جهدًا كبيرًا في الحوار؛ طالَمَا شُغِفْتُ بالحوارات، فشغف العميق يهدينا للحصول على فكرة ما مكبوتة؛ النقاش كان يُهديني ملحوظات، وتحليل، ونقد، لأخرج من ذلك اللقاء مكتملة الإدراك، ويُضِيء فكري وأستمتع بالحوار التي يغيب عنها الزمن؛ رحلة عبرَ فضاء الفكر دون وعي مني؛ متى بدأ الحديث؟ أو كيف انتهى؟ بعد الانتهاء من كل ذلك الشقاء، لتعود الحياة المنتظمة لهدوئها، تواردتْ خواطر فوضوية برأسي مجدَّدًا.. فحين ظننتُ أنَّني أدرك ذاتي، رأيتُها تتغير، تَاهَ الفكر، جَفَّ القلم، طار النوم، صار حُلُمَ يقظة.

لا نعلم متى تتغير أفكارنا ولا إلى أَيِّ منحنًى تتَّجِه، فتصبح النفس هَشَّةً وتختنق الروح، فنحن بحاجة لِمَنْ يسمع آلامنا، صراخنا، نُهْرَعُ لحديث النجوم، ضوء القمر، ميلان الأشجار؛ لن نجد أكرم من الطبيعة لسماع آهاتنا.

فكمِ احتوت مصحات نفسية مكبوت المشاعر، وكم اختنق بالبخور والدموع ليلَ نهارَ، وعَلَّقَ التمائم واعتزلَ الحياة.

اجتاحني إعصار دهشة ورفعتُ رأسي نحو السماء لتمطر عيناي بدموع، حاولتُ التماسك وإخفاءَها، اختبأتُ وراء الصمت حينما سمعتُ طرقًا على الباب، ليس فراغًا من المواجهة إِنَّمَا تعايشتُ معها بكل ما في الأبجدية من كلمات عليَّ أن أقطع بعض المسافات لأصل إلى إظهار قناعاتي في هذه الحياة، كلَّما زاد البعد بيننا لا يكون لديَّ ما أقوله، فحين تصل إلى هذا البعد فاعلمْ بأن نفسك بدأتْ تتشتَّت عن بعضها كجبلين متباعدين.

جسر التواصل الحوار.. عندما تصنع حديثًا فأنت تبني جسرًا للوصول إليه بصوت الكلمات. علينا أن نكتب أو نقرأ بصوتٍ عالٍ، فللحروف أصوات حتى لو لم تحدِّث بها الآخرين، فقط حَدِّثْ بها نفسك.

بقلم/ طفول سالم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى