إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

بسلام.. آمنين (ج١)

سبق أن أكدت في معظم مقالاتي السابقة تقريبًا، إن لم يكن فيها كلها، أن قيادتنا الرشيدة الحكيمة الواعية الذكية المخلصة لرسالة بلادها، لن تدهشنا مهما حقّقت من إنجازات عظيمة لنا ولبلادنا وللعالم أجمع، لسبب جد بسيط: عوَّدتنا في كل مرة على تحقيق إنجازات تُدْهش الدهشة؛ إلاَّ أن ما حقَّقته من نجاح استثنائي مذهل حقَّا في هذا الحج الأخير الاستثنائي بالمقاييس كلها، عقد لساني، وجمَّد المداد في قلمي من شدَّة الدهشة، فاحترت من أين أبدأ مقالي هذا، وأين يمكنني أن أنهيه؛ ولهذا تأخرت في كتابته ونشره.

ولهذا أيضاً لم أجد بُدًّا من اختيار عنوان تغطية الإعلام الرسمي لحج عام 1441هـ (بسلام آمنين) عنوانًا لمقالي اليوم؛ إذ حقَّقت قيادتنا الرشيدة، السلامة والأمن والأمان والاطمئنان لضيوف الرحمن بشكل يفوق الخيال، جعل كل مسلم في العالم حيثما كان، يتمنى صادقًا أنه لو كان من بين الملبِّين، الواقفين بصعيد عرفات وسط جمع الحجاج.

وقطعًا، كان هذا كله ثمرة توفيق الله سبحانه وتعالى أولًا وأخيرًا، ثم بعزم قيادتنا الرشيدة وتوجيهها للمعنيين، وإدراكها لمفهوم رسالة بلادها التي اختصها بها الله العلي القدير من دون سائر الأمم والشعوب، وعزمها الأكيد على استمرار قافلة الخير القاصدة، مهما كانت التحديات وتعقدت الحياة، ثم بصدق الجهات الحكومية كافة، والهيئات الأهلية التي نالت هذا الشرف العظيم بمشاركتها في أداء هذا الواجب العظيم أيضًا.

فقد تابعت هذه الرحلة المباركة عن كثب، منذ لحظة اتخاذ القيادة الرشيدة القرار، بناءً على فتوى هيئة كبار العلماء بضرورة تقليص عدد الحجاج لأقل عدد ممكن، والاقتصار على حجاج الداخل من مختلف الجنسيات، امتثالًا لأمر الله بتطهير البيت الحرام من المرض وكل ما يؤذي الإنسان، مثلما أمر سبحانه وتعالى بتطهيره من الشرك، حتى أداء ضيوف الرحمن طواف الوداع ومغادرتهم مكة المكرمة إلى من حيث أتوا.

أمَّا مثار دهشتي هذه المرة، فيكمن في هذا الجهد الهائل، والتنظيم المحكم، والأداء الرائع الذي أدهش العالم كله، وأَلْجَم ألْسِنَة الأعداء الحاقدين، الذين أعدوا العدة وهيئوا أنفسهم للشماتة والترويج لما توهموا حدوثه من كارثة (أكيدة) في هذا الحج الأخير حسب ظنهم، سعيًا للتشكيك في قدرات أرض الرسالة، قبلة المسلمين ويد الخير الطولى في العالم، وأهليتها للاضطلاع بدورها في أداء هذه الرسالة السَّامية العظيمة التي اختصها بها الله سبحانه وتعالى من دون سائر البلدان؛ وهو جلَّ شأنه العليم الخبير بمن يمكن أن يكون قمينًا للقيام بهذه الرسالة العظيمة في خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن.

وصحيح، حثَّت القيادة الرشيدة الجهات الحكومية كافة التي تشارك عادة في خدمة الحجاج كل عام لبذل مزيد من الجهد، حتى إن اضطر الأمر للتضحية بالنفس، فتسابق الجميع لبذل جهد يفوق الوصف ويدهش العقل ويجعل الإنسان في ذهول من هذا الأداء المنقطع النظير، لخدمة نحو عشرة آلاف حاج، أضعاف مضاعفة لما كان يبذله لخدمة نحو ثلاثة ملايين حاج.
ولأن الجهد هائل، والعمل كثير، والإبداع فريد، ومساحة المقال محدودة، سأكتفي بإشارة سريعة للدور العظيم الذي اضطلعت به بعض الجهات الحكومية، لتطبيق خطة الحج الاستثنائية لهذا الحج الاستثنائي التاريخي، مع أن الكل كان له دور غاية في الأهمية، من العامل البسيط الذي يعتني بالنظافة في هذه الجهة الحكومية أو تلك، حتى الوزير.

وزارة الصحة:

منذ اللحظة الأولى للإعلان عن ظهور فيروس كورونا في مدينة ووهان الصينية، وما يسببه من وباء وسرعة انتشاره، وعدم وجود علاج له أو لقاح ضدَّه، وما صاحب ذلك كله من إرهاصات باحتمال استمراره لسنوات قادمة، عكفت وزارة الصحة مع الجهات المعنية على إعداد خطة استثنائية للحج في ظل تلك الظروف الصعبة، ثم أخذت في تطويرها إلى أن وصلت إلى صيغتها النهائية التي ترتكز على ثلاثة بروتوكولات صحية: (اطمن، تباعد، توكلنا). فاطمأنت أولاً على أهلية من تم اختيارهم للحج من حيث وضعهم الصحي، ثم عزَّزت مفهوم التباعد الاجتماعي، لكي تأخذ بكل الأسباب الضرورية؛ حتى إذا عقلتها، توكلت على الله، ثم سمحت لقوافل الحجاج بالانطلاق ملبِّية متوكلة على الواحد الأحد، الذي لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم.

وعليه، سأحاول جاهداً تلخيص الجهد الهائل الذي بذلته وزارة الصحة في هذا الحج الاستثنائي في نقاط سريعة، لأن شرحه يطول، وكذلك تحليله:

• في البداية، بعدما تم اختيار الحجاج، بناءً على ضوابط محددة يمكن إيجازها في:

– عدم معاناة المتقدمين للحج من أي أمراض مزمنة.
– لم يسبق لهم الحج من قبل.
– يتراوح عمرهم بين 20 إلى 50 سنة.
– شهادة صحية معتمدة تثبت عدم إصابتهم بفيروس كورونا.
– تعهدهم بالالتزام بتوجيهات وزارة الصحة طيلة أيام الحج.
ثم أُخضعوا جميعًا للفحص من جديد عن طريق فرق صحية ذهبت إليهم في أماكن إقامتهم في سائر مدن المملكة، للتأكد من سلامتهم الصحية وعدم إصابتهم بالكورونا أو أي أمراض مزمنة، ربَّما تجعلهم فريسة لمهاجمة الفيروس في أي مرحلة ما من مناسك الحج، ومن ثم تم إخضاعهم للحجر المنزلي قبل قدومهم إلى مكة المكرمة، وكذلك الحال فيما يتعلق بالمشاركين كلهم في خدمتهم من موظفين وعمال وإداريين ورجال أمن وغيرهم.
تجدر الإشارة هنا إلى أن (30%) فقط من الفرص هي التي خُصِّصت للسعوديين، بينما خُصِّصت الـ (70%) التي بقيت للإخوة المقيمين من أكثر من (160) جنسية من مختلف بلدان العالم.

• عند وصول الحجاج إلى مكة المكرمة، تم إخضاعهم لحجر صحي مؤسسي، ثم تم فحصهم قبل السماح لهم بالتوجه إلى السيل الكبير لأداء الإحرام.

• تم تفويج الحجاج في مجموعات، تتكون كل مجموعة من خمسين حاجًّا، وتم تخصيص فرقة طبية متكاملة في مقر السكن لكل مجموعة، ومثلها لمرافقة الحجاج خطوة بخطوة في كل سنتمتر مربع من المشاعر المقدسة، يقود كل فرقة صحية قائد صحي.

• تم استقبال الحجاج في مكة المكرمة في فنادق، بحيث خُصِّصت غرفة معقَّمة لكل حاج، كما تم تزويدهم بحقيبة تحتوي على كل ما يلزم من إحرام، كمامات، سجادة وحتى حصى الجمرات.. وكل شيء فيها كان معقَّمًا.

• الحرص الشديد على التباعد الاجتماعي الذي ظهر جليًّا من خلال:

١- ترك مقعد شاغر في الحافلات التي تقل الحجاج بين كل حاج وآخر، بحيث خُصِّصت تلك الحافلات الكبيرة التي كانت تنقل خمسين حاجاً في الظروف العادية، لنقل عشرين حاجاً فقط، مع تخصيص باب للصعود فقط وآخر للنزول، وتعقيم الحافلات باستمرار.
٢- تخصيص غرف للعزل الصحي في المشاعر كلها، ففي منى مثلاً، خُصِّصت غرفة لكل حاج، مساحتها تسعة أمتار مربعة.
٣- جدولة المطاف في الصحن حول الكعبة، بحيث يكون هنالك متر ونصف المتر على الأقل بين كل حاج وآخر.
٤- وضع حواجز وتكليف مشرفين لمنع الاقتراب من الكعبة والحجر الأسود.
٥- تم تفويج الحجاج في منى في مجموعات، لم يزد عدد أفراد المجموعة عن عشر حجاج فقط.
٦- منع التزاحم والتدافع في المشاعر كلها، والتأكد من وجود المسافات اللازمة بين كل حاج وآخر، على أن يكون المنظمون من رجال الأمن. وأستطيع القول هنا باطمئنان: أكاد أجزم صادقاً أنني لأول مرة في حياتي لا أرى تدافعاً أو تزاحماً بين الحجاج في أي مشعر من المشاعر، أو حتى في الحرم المكي الشريف نفسه.
٧- تخصيص مسار محدد بلون خاص لكل فوج من أفواج الحجاج أثناء أداء مشاعر الحج، لاسيَّما أثناء الطواف والسعي.
٨- تخصيص رقم لكل فوج من الحجاج، ومن ثم تخصيص أبواب معينة لدخوله إلى الحرم المكي الشريف، وأخرى لخروجه منه على دفعات.
٩- تخصيص تسعة أمتار مربعة لكل حاج أثناء الوقوف بعرفة لأداء ركن الحج الأعظم.
١٠- تخصيص كل مخيم من مخيمات عرفة التي كان المخيم الواحد منها يتسع لمائتي حاج في الظروف العادية، لعشرين حاجاً فقط في هذا الحج الاستثنائي التاريخي.
١١- إعداد بروتوكولات صحية خاصة بكل حافلة، تعتمد تخصيص مقعد لكل حاج والالتزام به طيلة أيام الحج، مع تحديد أبواب مختلفة للصعود وأخرى للنزول، وتعقيم الحافلات باستمرار كلما صعدها الحجاج أو غادروها.

• لأول مرة تم تشغيل الروبوت لتلقي الأسئلة ونقلها إلى العلماء للإجابة عنها، ومن ثم نقلها إلى السائلين.

• الاهتمام بالغسيل، التطهير، التعقيم والتعطير؛ إذ كان البيت الحرام يُغْسَل عشر مرات يوميًّا، ويُعَقَّم ويُطَهَّر ويُعَطَّر على مدار الساعة، لاسيَّما صحن المطاف الذي كان يتم تطهيره بعد طواف كل فوج، بل أكثر من هذا؛ امتد الأمر ليشمل تطهير حقائب الحجاج يوميًّا.

• قياس درجة حرارة الحجاج باستمرار.

• تقديم الغذاء للحجاج بإشراف صحي.

• إغلاق حافظات المياه وصناديقها كافة، وتقديم مياه زمزم للحجاج في عبوات معقَّمة جاهزة للشرب، وتعقيم الكوادر الذين يقدمون الخدمة للحجاج.

• منع الحجاج من استخدام أدوات تخزين المياه، وحظر العلب التي تُستخدم عادة لتخزين مياه زمزم.

• استعداد هيئة الهلال الأحمر السعودي، ونشر مواقع تمركز في جميع المشاعر المقدسة، بما فيها بيت الله الحرام الذي نشرت حوله أربعة مواقع، وتخصيص سيارات إسعاف لمرافقة الحجاج من الميقات إلى المسجد الحرام، مع مسح صحي شامل للعاملين بها.
• تثبيت أكثر من ألفي عمود رذاذ لتخفيف درجة الحرارة في الحرم بمعدل (8) إلى (10) درجات مئوية.

• تخصيص عيادات طبية علاجية عند سكن الحجاج في جميع المشاعر المقدسة.

• تثبيت آلات تصوير حرارية على المسارات في المشاعر كلها، ترصد حرارة الجسم ومدى الالتزام بالتنظيمات.

• تجهيز عيادات صحية متطورة متنقلة تضم فرقًا طبية، فيها كل التخصصات.

• اعتماد احدث تقنية في التعقيم تقوم على غاز الأوزون الذي يقضي على الميكروبات والجراثيم قضاءً مبرمًا، وهي تقنية آمنة تستخدم في وجود الحجاج، وقد استخدمت في كل من مسجد نمرة ومزدلفة.

وبالجملة: تم تخصيص (6) مستشفيات، (51) عيادة، (200) سيارة إسعاف و (62) فريق صحي لخدمة ضيوف الرحمن. وعليه نستطيع القول إن الحج تم في بيئة صحية سليمة معافاة مئة بالمئة؛ إذ تحوَّلت مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، بتوفيق الله العلي القدير، ثم بجهد الرجال الصادقين، إلى أكثر منطقة صحية في العالم، خاصة فيما يتعلق بجائحة كورونا.. فشكراً للرجال الذين علَّموا العالم معنى طب الحشود، وأضافوا إليه اليوم صفحة جديدة ناصعة مشرقة مشرِّفة.

مقالات ذات صلة

‫69 تعليقات

  1. لمست التماسك بين الفقرات والتدرج بها من فقرة إلى أخرى؛ لإيصال الفكرة إلى القارئ.

  2. راعى الكاتب ارتباط الأفكار في المقال بشكل وثيق، ولكن كنت أتمنى مزيدًا من التفصيل

  3. القيادة الرشيدة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان في ازاله أي معوقات أمام الحجاج

  4. جهد رائع مبذول من جميع الوزارات المختلفه داخل المملكة انى في النهاية عمل متكامل وسلامة جميع الحجاج

  5. جميع الوزارات في المملكة تكاتفت من أجل هدف واحد هو راحت الحجاج ولذلك ظهرت باحسن صوؤة

  6. تحيا عظيمة للملكة علي مجهودها الجبارة في تزيل جميع العقبات التي تواجه الحجاج وسلامتهم

  7. القيادة في السعودية كان لها الدور الرئيسي في سلامة الحجاج والحفاظ عليهم من خطر كورونا

مرحبًا فضلا اكتب تعليق وسينشر فورًا

زر الذهاب إلى الأعلى