إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

القرية

لم أعد أرى شيئًا؛ كان الطريق مظلمًا والرياح تهب بشدة لتقتلع الأوراق والنباتات الصغيرة، كالحزن الذي اقتلع الأمل الذي بداخلي. منذ مدة ودَّعت قريتُنا الهواءَ الدافيءَ وخيَّمَ البردُ عليها.

في الليالي الباردة يحدث شيء غريب” قالتها جدتي يومها وانصرفت لحياكة ملابسها، لا أعلم لماذا تذكرت ذلك فجأة. مسحت عيناي اللتين غرق النعاس فيهما، شعرت وكأن شيئًا سيحدث، رددت ما قالته جدتي فتلاشى النعاس من عينيّ.

البرد يكاد يقتلني خوفًا ورعبًا.. إحساس غريب انتابني لحظتها تذكرت أمي وأبي وأخواتي رغم أني تركتهم منذ أشهر قليلة جدًّا، وأتيت إلى القرية بعد انتظار التعيين لسنوات عديدة.

كنت سعيدة يومها، وذهبت مع أبي إلى مدير تعليم المحافظة، وتم انتدابي بقريه جدتي

فرحت جدتي كثيرًا؛ لأني سوف أسكن معها، لم تكن حياة القرية سهلة بالنسبه لي ولكني اعتدت عليها

الرياح ما زالت تهب مبعدة الدفء عن جسدي الذابل؛ تذكرت مدفأة جدتي، والقهوة التي تركتها على الموقد، وخرجت أتجول في القرية، لا أعلم لماذا خرجت من المنزل في هذا الوقت رغم عدم علم جدتي بذلك، حاولت أن أعود أدراجي فضللت طريقي إلى المنزل.

لمت نفسي كثيرًا، فمنازل القرية متباعدة جدًّا، وجميعها متشابه، حاولت أن أتذكر شيئًا يميز منزل جدتي فلم أجد، الظلام افترش القرية، والرياح لا تكف عن العويل، سمعت صوتًا غريبًا ينبعث من جبل قريب منّي.

توقفت عن السير ونظرت حولي بحذر.. لم أعد أرى شيئًا، الهواء البارد يداعب وجهي ويزيدني شعورًا بالخوف. أدرت ظهري فرأيت شيئًا يتحرك نحوي من بعيد؛ تسلل الرعب إليّ، كتمت أنفاسي وتصلبت قدماي ولم تعد تقوى على حملي، تصبب العرق على وجهي رغم برودة الجو، اشتدت عضلات وجهي وعيني معلقة بكتلة سوداء تسير باتجاهي، قلبي يدق بسرعة، حاولت السير فلم أستطع، فتحت فمي للصراخ فذاب صوتي وسط خوفي، خُيّل إليّ أن لصًّا سوف يهجم عليّ؛ فتوقف عقلي عن التفكير، رميت بنفسي على الأرض وجسدي يرتعد خوفًا وبردًا.

بدأ يصل إلى مسمعي صوت حاد يكاد يمزق طبلة أذني، ماذا أفعل ماذا أفعل؟ تساءلت وقتها وأنا أبكي بحرقة، أبعدت نظري عن ذلك الشيء محاولة الإمساك بالشجاعة، رددت آية الكرسي؛ فشعرت ببعض القوة، تحاملت على الوقوف وأنا أنظر أمامي، فشاهدت ذلك الشي يقترب مني أكثر، اهتز قلبي بشدة وعصفت رياح الخوف لتنتزع الشجاعة منيّ.

اخذ يجري نحوي فركضت نحو المجهول أصرخ وأبكي دموعا تغسل وجهي فيلدغني الهواء البارد، استمريت أركض في طريقٍ وعرٍ تغطي أرضه الحجارة والأشواك، إنه يشبه طريق حياتي الذي سأقف عند نهايته يومًا ما.

التفت نحو الخلف لأرى ذلك الشيء ما زال يركض نحوي ويصرخ مناديًا عليّ، لم أعد أحتمل المزيد ففرغت كل صراخي حولي وأغلقت أذني عن كل الأصوات ولا أسمع غير دقات قلبي الخائف، تعثرت قدمي فسقطت على الأرض ودموعي تذرف بشدة، اقترب مني ذلك الشيء، أغمضت عيني حتى لا أراه.

– سهام.. سهام ماذا حدث؟ ولماذا خرجتِ من المنزل؟

فتحت عيناي لأرى جدتي، توقفت عن البكاء، وصرخت: “جدتي.. جدتي”.

رحل عني الخوف، وشعرت بالأمان، أعادت جدتي سؤالها فلم أجب، كنت أحاول الوقوف، أمسكت جدتي بيدي وسارت بي إلى المنزل ورياح الشتاء ما تزال تهب بقوة لتمحو آثار خطانا من على الطريق الترابي الذي نسير فيه.

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى