إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

الشعور بالظلم في قصة “أشواك التين” لـ “علي فوزي” والضغوط النفسية على القضاة

ينشأ عند الإنسان الشعورُ بالظلم منذ الطفولة، فيشعُر الطفل بأن والديه يظلمانه عندما يحرمانه من اللعب طوال اليوم، ويحددان له وقتًا للدراسة، وآخَرَ للعب، وثالثًا للنوم.. وهكذا.

تتناول قصة “أشواك التين” للقاصِّ “علي فوزي”، المنشورة في صفحة 31، العدد الثالث، 2020 من مجلة أوراق ثقافية، الصادرة عن إقليم شرق الدلتا الثقافي، الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية- ثلاثة مواضيع اجتماعية، وكلها في إطار ما يُسمَّى علم الاجتماع الاقتصادي:

الموضوع الأول: ارتفاع نسب الفقر والبطالة في صعيد مصر، وهجرة الشباب إلى وجه بحري للعمل والسعي على لقمة العيش، بل وعمالة الأطفال أيضًا وإهدار حقِّهم في حياة كريمة،

القضية الثانية: فهي توقُّف حركة المعمار والعمران بسبب ارتفاع تكاليف البناء؛ ومن ثمَّ قلة الطلب على العمالة في هذا المجال،

أما النقطة الثالثة: تدور حولها فكرة القصة (الباعة الجائلون بالشوارع ومطاردة شرطة المرافق لهم ومصادرة مُتَعلَّقاتهم).

هنا بطل القصة كما وصفه الراوي اسمه (مصطفى)، فتى صغير لم يتجاوز السبعة عشر ربيعًا، جاء من أقصى جنوب مصر وتحديدًا محافظة قنا، ترك والدَيْه وراءه وبعض الإخوة الصغار، فكما نرى ما زال طفلًا، أتى وترك أهله وبلده وإخوته من أجل لقمة العيش (يُمنِّي نفسَه بالعمل مع بعض أولاد عمومته، وهم الذين أقنعوه بالسفر إلى المنصورة)؛ ففي الأحوال الطبيعية يشعُر الشابُّ بالظلم عندما يمنعه والداه من البقاء خارج المنزل حتى أوقات متأخِّرة من الليل، أما هنا في حالة “مصطفى” (تطوَّع أولاد العَمِّ لشراء براويطة له على أن يُسدِّد ثمنَها مستقبلًا، وصنعوا له لوحًا خشبيًّا وضعوه فوقها، حضر إليهم موزِّع التين الشوكي كما اعتاد، تعلَّم مصطفى كيف يتفادى أشواك التين).

على سبيل المثال، حين يُوقِفك شرطي المرور في الشارع؛ بسبب قيادة سيارتك بسرعة زائدة، وتعتقد أنت أنك لم تَقُدْ سيارتك بتهوُّر، وإنما كنت تحاول أن تتفادى سيارةً أخرى كانت على وَشْك أن تصطدم بك، يظهر هنا الخلاف، ويصبح للعدالة وجهان: وجه قانوني يراه شرطي المرور ولا تراه أنت، ووجه تراه أنت وتعتقد يقينًا أنك مظلوم، ولا يراه شرطي المرور الذي يُخرِج دفترَه لمخالفتك (الذي يعتقد هو الآخر يقينًا أنه لم يظلمك)، ويصبح الفيصل الذي يحكم بين ما يراه الطرفان هو القاضي وميزان العدالة (الذي لم يشهد الواقعة) بعد أن تُحوَّل القضية إلى المحكمة.

وفي قصة “أشواك التين” التي نحن بصدد قراءتها غاب البطل “مصطفى” يومًا عن الشارع، فعندما سأله الراوي: أين كنت بالأمس؟.. ابتسم، وقال: “كنت بشتري براويطة جديدة” قلت: ليه؟.. قال: أصل المَرافق قابلتني فخدت مني البراويطة، فالبطل كان راضيًا بما حدث، وابتسم أثناء ردِّه، ولم يستسلم، وذهب واشترى براويطة (عربية خفيفة) مرةً أخرى ليُواصِل عمله، برغم أن الأولى كانت دَيْنًا عليه. لا يملك مصطفى المال لشراء البراويطة، تطوَّع أولادُ العمِّ لشراء براويطة له على أن يُسدِّد ثمنَها مستقبلًا، ومستقبلًا كانت مصادرتها منه على يد رجال شرطة المرافق.

ولهذا.. ومن دراسة علم النفس الجنائي، فإن القضاة يتعرَّضون لضغوط نفسية كبيرة وهم يُصدِرون أحكامهم محاولين تطبيق العدالة؛ ولذلك فإننا كثيرًا ما نسمع كلمة «ضمير المحكمة» تتردَّد أثناء النطق بالأحكام من قِبَل القُضاة الذين يُصدِرون الأحكام، قائلين في بداية النطق بها «وقد استقر في ضمير المحكمة»؛ كي يُبعِدوا عن أنفسهم شُبْهة الظلم التي قد تُلصَق بهم.

وجاء رأي الراوي بقصة “أشواك التين” للكاتب “علي فوزي” فيما حدث مع البطل “مصطفى”: (تعجبت! كيف يتفادى أشواك التين وتنهشه مخالب البشر؟).

وما لم يعجبني بالقصة، هو تكرار ذكر الراوي لاسم البطل “مصطفى” أربع مرات طوال القصة رغم قصرها، فكان من الأجمل فنيًّا الاكتفاء بذكره في المرة الأولى في جملة ابتداء القصة: (مصطفى فتى صغير لم يتجاوز السبعة عشر ربيعًا)، وعدم تكرار ذكر اسمه بعد ذلك.

الكاتب والباحث/ محمود سلامة الهايشة

عضو نادي أدب قصر ثقافة المنصورة

والمحاضر المركزي بالهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية

مقالات ذات صلة

‫36 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى