إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

نافذة عبر الزمن (15)

نظر له الضابط بتعجب، وقال: ماذا بك؟ هل هذا اعتراف منك بجريمتك؟ رفع رأسه ونظر في وجه الضابط، وقال: “بل هو اعتراف بأن الطيبة والقلب الرحيم بطاقة نادرة في عالم الظالمين وأن القانون لا بد أن يكون له بينة وبرهان فالقانون لا يحمي المغفلين وقد كنت غافلا عن إثبات الدليل متسلحا بقلب رحيم يفعل المعروف ويؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة”، ثم وقف شامخا وقال لن يخذلني ربي وكفى به شاهدًا ووكيلا.

أحيل بطلنا للنيابة.. حكم عليه بالسجن عشرين عاما بتهمة الشروع بقتل ذلك الشاب مستغلا ظروف حادث الحافلة، وكذلك الشروع في إخفاء الطفلة وانتحال شخصية أخيها.

مكث بطلنا في السجن ثلاث سنوات، وفي أحد الأيام دخل إليه حارس السجن ليخبره أن لديه زائر، خرج وهو مستغرب من سيكون ومن ذلك الشخص الذي قد يعرفه في هذا المكان القصي من العالم وبينما كان يسير بصحبة حارس السجن إذ عيناه تقع على الزائر دهش واتسعت عيناه عجبًا.. ماذا تريد هذه الطبيبة الآن إنها تلك الطبيبة التي أخرجته من حزنه تلك الأيام الخوالي؛ رحب بها وما زالت الحيرة والدهشة تأخذان منه كل مأخذ؛ ماذا تريد وماذا تفعل هنا؟!، فردت حالًا وكأنها تسمع كل صوت يهتف في داخله، قالت: “نعم أنا هنا لأنني باشرت الحادث ورأيت الأمر كله من أول وهلة وأنا أيضًا كنت أحد الركاب في تلك الحافلة، كنت أقلها لموقع عملي وقد رأيت كل شيء منذ تشاجرت مع شقيق الطفلة حتى وقوع الحادث. أصبت في قدمي وكنت من المصابين الملقين بجوارك وجوار تلك الصغيرة، رأيت كل ما فعلته من أجلها وقد ساعدتك في إيجاد العمل بناء على ما رأيته فيك من صدق ووفاء بعهدك ووعدك لشقيق تلك الصغيرة، لقد كنت بجوار مقعدك وكنت أسمع حوارك مع شقيق تلك الصغيرة ثم انقلبت الحافلة بعد انفجار الإطار.. وكنت مصابة ولو لم أكن مصابة لأسرعت لعمل الإسعاف لذلك الشاب. كنت أسمعه وهو يخبرك بكل شيء ويوصيك برعاية شقيقته لو حصل له مكروه، لذلك عندما التقيتك في المستشفى لم تكن مصادفة بل كنت قد تماثلت للشفاء وسارعت لمساعدتك بالوفاء بوعدك لذلك الشاب.. فأنا قد لاحظت مدى رحمتك وعطفك ونبل أخلاقك منذ رأيتك أول مرة مدافعا عن الصغيرة”.

كان يستمع لكل حرف وهو في غاية الدهشة والاستغراب.. هل هو في حلم أو خيال، هنا صرخ بها:

وأين أنتِ عندما قبض علي وعندما حوكمت بهذا الحكم الجائر؟!

أين كان ضميرك عندما حل بي هذا كله؟

قالت الطبيبة لقد كنت خارج البلاد لمعالجة قدمي المكسور من ذلك الحادث وكما تعلم فشفاء كبير السن يتطلب وقتًا.. ليس كالشباب الذين قد لا يتأثرون لصلابة وقوة عظامهم، كما أنني هناك عملت على بحث طبي وبعد الانتهاء منه عدت لموقع عملي وبحثت عنك بين الزملاء فكان الخبر علي كالصاعقة، وبمجرد علمي بذلك وكلت لك محاميا وأتيت لأدلي بشاهدتي، ثم أتيت هنا لأطمئن عليك وأبشرك بأن الله لا يخذل المحسنين. هنا رفع بطلنا يداه للسماء وخر راكعًا وهو يقول: (ولينصرنك ولو بعد حين)، كفى بربي شاهدًا ونصيرًا، وأخذ يبكي والدموع تنهمر من عينيه كينابيع انسابت تسقى الأرض الجدباء.

وقفت تلك الطبيبة وقالت: “لا تحزن أيها الشاب.. فالله معك، ولن يخذلك أبدًا”، واستأذنت لتذهب؛ وعاد لزنزانته وهو يقول هل سأخرج من السجن حقًّا؟، مضت الأيام وما زالت الإجراءات تسير ببطء حتى جاء ذلك اليوم الذي مثل أمام القاضي ليعاد عرض القضية مجددًا بدأت تلوح لبطلنا ملامح الأمل وأن يرى الحرية مرة أخرى، وبالفعل بعد تسعة أشهر خرج بطلنا لا يملك من الدنيا سوى قلبٍ مُثقلٍ بالألم والحزن والطيبة والنقاء، قال لنفسه حتى طفلة صغيرة بلغ بها الجحود ونكران المعروف أن تزج بك في السجن؛ متى تستيقظ يا قلبي النبيل؟ متى تدرك أن لا وجود لمدينة فاضلة ولا مكان لمعدن نقي؟.

وهنا تذكر أن هناك معدن أنيق وأصيل بل ونبيل للغاية وهي تلك الطبيبة، فقال لنفسه سأذهب لأشكرها وأقدم لها امتناني على ما فعلت.. فلولاها بعد الله لبقيت في سجني أبد الأبدين، ذهب إلى المستشفى فلم يجد الترحيب من كثير من الزملاء فهم يكادون يزلقونه بأبصارهم ولسان حالهم يقول حتى لو خرجت بواسطة وشفاعة فلن نشفع لك، ذهب مباشرة لعيادتها وطرق الباب؛ فُتِح الباب فوجد ذلك الشيخ الذي ساعده أول مرة في تلك الصحراء، اغرورقت عيناه وهو يقول: “ما أشبه الليلة بالبارحة، ها أنا الآن تائه في زحام الحياة وحيدًا بين ناس يلمزون ويهمزون بأنني ذلك المجرم  الذي لبس ثوب التقي.. ها أنا الآن أمام ذلك الشيخ الذي حنَّ عليّ حنان الأب في عمق صحراء قاحلة”.

أعاده إلى الواقع صوت ذلك الشيخ وهو يقول: أنت.. يا لها من صدفة عجيبة.. قال بطلنا بل يا لها من صدفه حسنة؛ لقد سررت برؤيتك هنا تعانق الاثنان بحرارة، ولا عجب، فقد بقيا سويًّا حينًا من الدهر، ونشأت بينهما علاقة الابن وأبيه، ولولا عنفوان بطلنا وحرصه على كرامته وشموخه وعزة نفسه لبقى هناك وعمل مع هذا الشيخ الجليل، لكنه آثر البحث عن عمل وصون وحفظ كرامته، وها هي الأيام تعود لتجمعهما في مكان آخر وفي ظروف أخرى.

رغم أن حالت بطلنا ما زالت هي تلك الحال السقيمة من جور الأيام والليالي ومن قسوة البشر، حتى أمه التي كانت بمثابة عيناه فضلت عليه زوجها التعيس وأخوته القُصّر. يا الله.. ما أشد الظلم على قلب لا يعرف سوى الرحمة وما أقساها الحياة على فئة من البشر لا تعرف سوى البر بالبشر والإيثار على النفس.

عاد الرجل يسأل عن أخبار بطلنا وأحواله، فقال له: “أنا بخير ورؤيتك جعلتني بأفضل حال”. قال الرجل المسن: “سأنتظرك خارج العيادة فأنا شغوف بسماع أخبارك ومشتاق لحديثك”، ربت بطلنا على كتفه وقال: حسنًا.. سأرى الطبيبة وأعود لك حالًا.

دخل إلى الطبيبة وحين رأته وقفت لتحييه وكانت مسرورة جدًّا برؤيته، وقالت: أخيرًا ستكون بيننا وننعم بوجود شخص مثالي مثلك، لكنه أخبرها بأن إدارة المستشفى قد استغنوا عنه وأنه هنا ليقدم شكره لها لما فعلت من أجله وليودعها على أمل اللقاء بها في ظروف أجمل وزمن أفضل؛ حزنت الطبيبة لهذا الخبر لكنها دعت له بالتوفيق والسداد في حياته المستقبلية.

خرج بعد أن شكرها وذهب يسير حيث يجلس صديقه القديم، توقف بجواره وهو يقول: “هيا يا عم لم يعد لنا هنا مكان”،  تفاجأ بصوت رخيم يقول:

بل هنا مكانك؟

بقلم/ موضي الطيري – القيصومة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى