التاريخ يتحدثتاريخ ومعــالم

أبو جعفر المنصور .. الخليفة المؤسس

#يعد أبو جعفر المنصور المؤسس الحقيقي# للدولة العباسية التي ظلت خمسة قرون زينة الدنيا، ومركز الحضارة، وموئل الثقافة، وعاصمة العالم. نهض إلى الخلافة بعد أن أصقلته التجارب وأنضجته المحن، وخَبِر الناس وعاشرهم ووقف على دواخلهم وخلائقهم، وما إن أمسك بزمام الأمور حتى نجح في التغلب على مواجهة صعاب وعقبات توهن عزائم الرجال وتضعف ثبات الأبطال، وتبعث اليأس والقنوط في النفوس.

اقرأ المزيد من صحيفة هتون الدولية

أبو جعفر المنصور هو المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس المولود سنة 95 للهجرة أي ما يوافق عام 712م، وهو ثاني خلفاء العباسيين بعد أبي العباس السفَّاح، وهو المعروف بأنَّه أقوى خلفاء بني العباس وأفحلهم، ولد أبو جعفر المنصور في قرية الحميمة في جنوب بلاد الشام وكان فصيح اللسان عالمًا بسِيَرِ العرب وأخبارهم، شديد الاهتمام بالشعر والأدب، وقد كان لوالده الفضل الأكبر في قيام الدعوة العباسية التي نادتْ بأحقيَّة العباسيين بالخلاقة الإسلامية، وحين نجحتْ دعوة بني العباس وتمَّتِ الإطاحة بحكم الأمويين كان أبو جعفر ثاني الخلفاء حيث استلم الخلافة العباسية عام 136 هجرية وكان عمره واحدًا وأربعين عامًا.

شخصيّته القياديّة

عُرِف عن أبي جعفر المنصور أنَّه كان خليفة يعمل بكدٍّ، وجدّ؛ فهو لم ينغمس في متاع الدنيا من لَهو، وسُلطة؛ حيث كان يشغل منصبه، وسُلطته للاهتمام بالدَّولة، وشؤونها، كما أنَّه كان على عِلم بقيمة المال، وأهمّيته؛ لذا فقد حرص على أن يُنفق المال فيما ينفع الناس، وكان رافضاً لتضييع الأموال في غير فائدة، وهذا ما جعل المُؤرِّخين يتَّهمونه بالبُخل، كما كان المنصور يهتمّ بالتدقيق على اختيار الوُلاة؛ حتى يستطيع مُتابعة كلّ ولاية في دولته، وكان ينتدب في القضاء، والشرطة من هو أهلٌ لهذه الوظائف، إضافة إلى أنّه كان يُحاسِب كلَّ من يُقصِّر في عَمله.

المنصور وبناء بغداد

رغب الخليفة أبو جعفر المنصور في بناء عاصمة جديدة لدولته بعيدة عن المدن التي يكثر فيها الخروج على الخلافة كالكوفة والبصرة، وتتمتع باعتدال المناخ وحسن الموقع، فاختار “بغداد” على شاطئ دجلة، ووضع بيده أول حجر في بنائها سنة (145هـ = 762م) واستخدم عددا من كبار المهندسين للإشراف على بنائها، وجلب إليها أعدادا هائلة من البنائين والصناع، فعملوا بجد وهمة حتى فرغوا منها في عام (149هـ = 766م) وانتقل إليها الخليفة وحاشيته ومعه دواوين الدولة، وأصبحت منذ ذلك الحين عاصمة الدولة العباسية، وأطلق عليها مدينة السلام؛ تيمنا بدار السلام وهو اسم من أسماء الجنة، أو نسبة إلى نهر دجلة الذي يسمى نهر السلام. ولم يكتف المنصور بتأسيس المدينة على الضفة الغربية لدجلة، بل عمل على توسيعها سنة (151هـ = 768م) بإقامة مدينة أخرى على الجانب الشرقي سماها الرصافة، جعلها مقرا لابنه وولي عهده “المهدي” وشيد لها سورا وخندقا ومسجدا وقصرا، ثم لم تلبث أن عمرت الرصافة واتسعت وزاد إقبال الناس على سكناها.

اهتمامه بالعِلم

أراد أبو جعفر المنصور أن تنهض الدَّولة العبّاسية بالعِلم، والتعليم؛ ولذلك كتب إلى ملك الروم، وطلب منه أن يبعث إليه كُتب تعليم مُترجَمة، فبعث إليه ملك الروم كُتب الطبيعيّات، بالإضافة إلى كتاب إقليدس، كما أنّه فكَّر في إنشاء مكتبة خاصَّة بالمُسلمين، وأمر بالترجمة من الكُتب غير العربيّة، فبدأت حركة الترجمة في عهده من مُختلف اللُّغات (الروميّة، والفارسيّة، والسريانيّة)، كما طلب من العُلماء، والمُتخصِّصين ترجمة كُتب الطبِّ، والرياضيّات، والفلسفة، ومن أشهر الكُتب التي تُرجِمت في عهده كتاب (كليلة ودمنة)، وكذلك كتاب (السند هند)، وكتاب (أرسطاطاليس).

وفاته

تُوفِّي أبو جعفر المنصور في عام 158هـ، وهو في طريقه نحو مكَّة المُكرَّمة؛ لأداء فريضة الحجِّ فيها، وقد دُفِن في مكَّة المُكرَّمة، عِلماً بأنَّ الحاجب (الربيع) لم يُفصِح عن مَوته حتى أخذ البيعة من قادة بني هاشم للمهديّ، ثمّ أعلن وفاته، وتمّ دَفْنه، ويُذكَر أنَّ آخر ما قاله الخليفة أبو جعفر المنصور قبل وفاته هو: (اللهمَّ بارك لي في لقائك).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى